وتزداد حساسية هذا الخطر بالنظر إلى أن السوق الفرنسية تمثل أكثر من 80% من رقم أعمال مراكز علاقات الزبناء العاملة بنظام «الأوفشور» في المغرب، بحسب الوزير. لكن التأثير لن يكون متساوياً على الجميع؛ إذ يرى رئيس الفيدرالية المغربية لترحيل الخدمات، يوسف شرايبي، أن التسويق الهاتفي الصادر لا يمثل اليوم سوى نحو 15% من النشاط الإجمالي لمراكز علاقات الزبناء، رغم أنه قد يشكل حصة أكبر بكثير في بعض المراكز المتخصصة في المكالمات الصادرة.
صدمة 11 أوت
يشكل التغيير التنظيمي الفرنسي قطيعة مع النظام الذي كان سائداً حتى الآن. فمنذ 11 أوت، لا يمكن لأي شركة، من حيث المبدأ، الاتصال بمواطن لأغراض تجارية إلا إذا كان قد أعرب مسبقاً عن موافقته الصريحة على ذلك. وبذلك تنتقل فرنسا من منطق «الرفض اللاحق»، الذي كان فيه التسويق الهاتفي مسموحاً ما لم يعترض المستهلك، إلى منطق «الموافقة المسبقة»، بالتزامن مع إلغاء آلية «بلوكْتيل» (Bloctel) المخصصة لمنع المكالمات الترويجية.
وبالنسبة إلى المراكز المغربية المتخصصة في التنقيب التجاري الموجه إلى الأفراد (BtoC)، فإن التغيير مفاجئ وقاسٍ. فقد كان جزء من نموذجها الاقتصادي يعتمد تحديداً على القدرة على الاتصال بالمواطنين الفرنسيين انطلاقاً من قوائم العملاء المحتملين. وتؤدي القواعد الجديدة تلقائياً إلى تقليص هذه السوق وإجبار الفاعلين على إعادة النظر في أنشطتهم.
وتأتي هذه الصدمة في وقت ينخرط فيه القطاع أصلاً في تحول هيكلي؛ إذ بدأت المجموعات الدولية الكبرى، منذ عدة سنوات، في تقليص اعتمادها على التسويق الهاتفي الصادر، من خلال تطوير أنشطة استقبال المكالمات، والدعم التقني، وخدمة ما بعد البيع، وإدارة علاقات الزبناء. أما الهياكل الصغيرة فتظل أكثر عرضة للمخاطر، خصوصاً عندما تعتمد بشكل شبه حصري على التنقيب التجاري الموجه إلى الأفراد في السوق الفرنسية.
الهياكل الصغيرة في الخطوط الأمامية
في هذا القطاع تحديداً، من المرجح أن تظهر آثار الإصلاح الفرنسي بأسرع وتيرة. فالشركات الكبرى تتمتع بقدرات مالية وتجارية تسمح لها بإعادة توجيه فرقها نحو خدمات أو أسواق أخرى. أما بالنسبة إلى بعض الشركات الصغيرة جداً والمتوسطة، فإن الانتقال إلى قطاع الأعمال بين الشركات (BtoB)، أو إلى الأنشطة الواردة، أو إلى أسواق فرنكوفونية جديدة، يتطلب وقتاً واستثمارات، وقبل كل شيء عقوداً جديدة.
وتصبح المسألة الاجتماعية عندئذٍ محورية. ويخشى ممثلو العمال من عمليات إغلاق وتسريح مفاجئة في قطاع تتباين فيه الأوضاع بشكل كبير. وتأسف النقابة خصوصاً لعدم توفر بيانات دقيقة حول العدد الفعلي للشركات والعمال المعنيين، إذ إن جزءاً من النشاط لا يشمله الإحصاء الرسمي. ويُقدّر أن المغرب يضم أكثر من 600 مركز اتصال مرخص رسمياً، لكن مراكز أخرى تعمل خارج هذا الإطار. ويشكل ما حدث لشركة التسويق الهاتفي «بول آند خوسيه» (Paul & José) مثالاً على هذه الهشاشة. فقد أدى إغلاق الشركة في عام 2025 إلى ترك عشرات الموظفين من دون رواتب أو تعويضات، كاشفاً عن الصعوبات التي قد تنشأ عندما تختفي شركات بشكل مفاجئ من السوق المغربية.
التبعية لفرنسا تحولت إلى خطر
بعيداً عن الوظائف المعرضة للخطر بشكل مباشر، يسلط التنظيم الفرنسي الجديد الضوء، بالأساس، على تبعية نموذج «الأوفشور» المغربي لعدد محدود من الأسواق الخارجية. وهكذا، يمكن لقرار يُتخذ في باريس استجابةً لاستياء المستهلكين الفرنسيين أن يُحدث آثاراً إجتماعية وصناعية على بعد آلاف الكيلومترات، في قطاع أصبح مهماً للاقتصاد المغربي.
وتؤكد الحكومة المغربية أنها استبقت هذا التحول؛ إذ أعلن يونس السكوري عن استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على تنافسية القطاع من خلال تنويع أسواقه نحو بلدان أوروبية أخرى، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، مع تسريع التحول الرقمي وإدماج الذكاء الاصطناعي. غير أن تنويع محفظة الزبناء أو تحويل مركز اتصال إلى مقدم لخدمات ذات قيمة مضافة أعلى لا يمكن أن يتم في بضعة أسابيع. وبالنسبة إلى الشركات الأكثر اعتماداً على التسويق الهاتفي نحو فرنسا، فإن 11 أوت لا يعني اختفاء القطاع فوراً، بقدر ما يمثل تغييراً قسرياً في نموذج عملها.
وقد يعجل الإصلاح الفرنسي بالتالي بتحول بدأ بالفعل في قطاع «الأوفشور» المغربي: التخلي التدريجي عن الأنشطة ذات القيمة المضافة المنخفضة، والارتقاء نحو إدارة علاقات الزبناء، والدعم، والخدمات الرقمية، وعلى المدى البعيد، نحو أنشطة تدمج قدراً أكبر من الذكاء الاصطناعي.
وليس الرهان بالنسبة إلى المغرب، في نهاية المطاف، معرفة ما إذا كانت 40 ألفاً أو 50 ألف وظيفة ستختفي، وإنما معرفة عدد الوظائف التي يمكن إعادة توجيهها قبل أن يتحول التغيير التنظيمي في فرنسا إلى أزمة اجتماعية.
المغرب: نهاية التسويق الهاتفي في فرنسا تهدد ما يصل إلى 50 ألف وظيفة
منذ دخول حظر التسويق الهاتفي دون موافقة مسبقة حيز التنفيذ في فرنسا، يوم الثلاثاء 11 أوت، يواجه قطاع مراكز علاقات الزبناء في المغرب صدمة تنظيمية جديدة. فقد يصبح ما بين 40 ألفاً و50 ألف شخص مهددين بفقدان وظائفهم، وفق تقديرات قدمها في مارس وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات المغربي، يونس السكوري.

Partager cet article

