تواصل أسعار التبغ في الجزائر ارتفاعها بنسب تصل إلى مئة بالمئة، وسط غياب شبه تام لرقابة مديريات التجارة على نقاط البيع عبر مختلف الولايات. فرغم مرور قرابة شهر على نشر التسعيرة الرسمية الجديدة في الجريدة الرسمية، عادت أسعار علب السجائر للارتفاع بشكل لافت، في مخالفة صريحة للأسعار المعتمدة رسميًا.
فقد بلغ سعر علبة سجائر “مارلبورو” في بعض نقاط البيع نحو 750 دينار، بعدما كان السعر الرسمي المحدد لا يتجاوز 410 دنانير، بينما قفز سعر علبة “أل دي” إلى ما يقارب 610 دينارًا، رغم أن السعر الرسمي المعتمد لم يتجاوز 270 دينارًا. ولم تسلم من هذه الزيادات باقي الماركات الأخرى، بما فيها تلك المصنّعة محليًا، حيث سجلت فوارق تجاوزت في بعض الحالات 100 دينار خلال أيام قليلة فقط.
تسقيف رسمي لم يُفعّل ميدانيًا
نشرت الجريدة الرسمية، في عددها رقم 45 الصادر في 21 جوان 2026، سلسلة من القرارات الوزارية المشتركة الموقعة في 26 أفريل 2026، والتي حددت بدقة الأسعار الجديدة لبيع منتجات التبغ، سجائر وتبغ استنشاق (شمة)، الموجهة للاستهلاك عبر كامل التراب الوطني. وأكدت هذه القرارات أن الأسعار المحددة تُطبَّق بصفة موحدة في جميع الولايات، وتشمل كافة الرسوم والحقوق المطبقة على المنتوج.
وتغطي التسعيرة منتجات أبرز الشركات الناشطة في القطاع، على رأسها “بريتيش أمريكان توباكو” (بات ألجيري)، والشركة المتحدة للتبغ، وشركة “ديمات ألجيري”، إلى جانب متعاملين محليين آخرين مثل “شروق التبغ” و”ملكة جواد”، ليصل إجمالي المتعاملين الرئيسيين في السوق إلى نحو ستة، من بينهم شركتان بشراكة أو رساميل أجنبية.
الأسعار الرسمية المعتمدة
حسب التسعيرة الجديدة، حُدد سعر علبة “مارلبورو” بنوعيها عند 410 دنانير، و”مارلبورو بيوند” عند 420 دينارًا، فيما استقر سعر “وينستون” عند 350 دينارًا، و”كامل” عند 360 دينارًا، و”غولواز” عند 380 دينارًا، و”أل أند أم” عند 350 دينارًا، و”أل دي” عند 270 دينارًا بالضبط.
أما بالنسبة لعلامات “روثمانز” و”لاكي سترايك”، فقد حُدد سعر “روثمانز بلو” و”روثمانز غولد” بـ300 دينار، و”لاكي سترايك أوريجينال” بـ270 دينارًا، مقابل 290 دينارًا لكل من “لاكي سترايك كليك” و”فروست”.
وبخصوص منتجات الشركة المتحدة للتبغ، حُدد سعر “ريم أوريجينال” بـ280 دينارًا، و”نسيم بتوين” بـ240 دينارًا، و”الجزائر” بـ200 دينار، إضافة إلى “مستر فيليب موريس” بـ300 دينار. وفي ما يخص تبغ الاستنشاق (الشمة)، حُدد سعر كيس “أسيلة” و”ريمال” و”هايلة” (30 غرامًا) بـ210 دنانير من إنتاج “ديمات ألجيري”، مقابل 185 دينارًا لكيس “الشروق” و175 دينارًا لـ”لوكس خروب” من “شروق التبغ”، و175 دينارًا لمنتجات “ملكة جواد” مثل “الفوارة” و”الشرقية سوبر” و”ماكلة الطاسيلي الحرة”.
غياب الرقابة يفتح الباب أمام الفوضى
سبق نشر هذه التسعيرة موجة ارتفاع حاد ثانية خلال ستة أشهر، في ظل غياب شبه كامل لأي تدخل رقابي ميداني من مديريات التجارة، ما أثار استياء متزايدًا لدى المستهلكين. وقد تقدمت جمعية حماية المستهلك بتنبيه إلى خطورة هذه الزيادات المتكررة وغير المعلنة، مطالبة بفتح تحقيق في أسبابها الحقيقية واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وترافق ذلك مع توقيع الوزير الأول مرسومًا تنفيذيًا يشدد قواعد تنظيم عرض ووسم منتجات التبغ، يلزم الشركات بتغطية التحذيرات الصحية لنسبة تصل إلى 60 بالمئة من واجهات العلب، ويحظر استخدام مصطلحات تسويقية مضللة مثل “خفيف” أو “قليل القطران”. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها الصحية، ساهمت بشكل غير مباشر في دفع بعض تجار التجزئة إلى رفع الأسعار استباقًا لأي تغييرات محتملة في تكاليف التغليف أو التوريد، وهو ما دفع السلطات إلى التدخل بالتسعيرة الموحدة الأخيرة لوضع حد لهذا التفاوت.
فساد يهز القطاع بالتوازي مع أزمة الأسعار
تتزامن أزمة الأسعار مع كشف قضايا فساد كبرى تطال قطاع التبغ. فقد أطاحت المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة المنظمة بشبكة إجرامية متورطة في اختلاس أموال الشركة المتحدة للتبغ بقيمة تقارب 1000 مليار سنتيم، أسفرت عن توقيف 10 أشخاص من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون، بعدما تبين أن عناصر الشبكة كانوا يسجلون منتجات تبغية وهمية في النظام المعلوماتي للشركة ويسوّقونها خارج القنوات الرسمية.
كما تمتد جذور الجدل القضائي في القطاع إلى ملف شركة جزائرية-إماراتية ناشطة في التبغ والكبريت تعرف بـ”ستايم”، حيث أودع صاحبها الحبس المؤقت في قضايا تحويل أموال غير قانوني نحو الإمارات وتبييض أموال واقتناء عقارات بطرق غير مشروعة، في قضية امتدت لاحقًا لتطال الرئيس المدير العام لمجمع “مدار” العمومي، شرف الدين عمارة، على خلفية شراكة قديمة تعود إلى سنة 2013 بين الشركة الوطنية للتبغ والكبريت وشركة “ستايم”.
تذكير بالتسقيف الرسمي
وللتذكير، فقد فرضت القرارات الوزارية المشتركة الصادرة في الجريدة الرسمية منع بيع منتجات التبغ بأسعار مخالفة للتسعيرة الرسمية الموحدة المطبقة عبر كامل الوطن، بهدف ضمان شفافية المعاملات التجارية وحماية المستهلك من الزيادات غير المبررة ووضع حد للفوضى المسجلة في نقاط البيع. غير أن استمرار تجاوز هذه الأسعار ميدانيًا يطرح تساؤلات جدية حول مدى تفعيل الرقابة على مستوى الولايات، وضرورة تحرك السلطات المعنية لإلزام التجار والموزعين باحترام التسعيرة المعتمدة.


