وأكدت هذه القرارات أن الأسعار المحددة تُطبَّق بصفة موحدة عبر كامل ولايات الوطن، وأنها تشمل جميع الرسوم والحقوق المطبقة على المنتوج. وتغطي القرارات منتجات الشركات الناشطة في القطاع، على رأسها شركة “بريتيش أمريكان توباكو” (بات ألجيري) البريطانية، والشركة المتحدة للتبغ ، وشركة “ديمات ألجيري”، إلى جانب متعاملين محليين آخرين من بينهم “شروق التبغ” و”ملكة جواد”، وهو ما يضع إجمالي الشركات المصنّعة والمسوّقة في السوق الجزائرية للتبغ عند عدد يقترب من ستة متعاملين رئيسيين، من بينها شركتان ذات رساميل أو شراكة أجنبية.
وبحسب التسعيرة الجديدة الخاصة بمنتجات “بريتيش أمريكان توباكو”، حُدد سعر علبة “مارلبورو” بنوعيها عند 410 دنانير، بينما ارتفع سعر “مارلبورو بيوند” إلى 420 دينارًا. وحُدد سعر علبة “وينستون” عند 350 دينارًا، و”كامل” عند 360 دينارًا، و”غولواز” عند 380 دينارًا، في حين استقر سعر علبة “أل أند أم” عند 350 دينارًا، وعلبة “أل دي” عند 270 دينارًا بالضبط.
أما العلامات التابعة لمجموعتي “روثمانز” و”لاكي سترايك”، فقد حُدد سعرها بـ300 دينار لكل من “روثمانز بلو” و”روثمانز غولد”، و270 دينارًا لعلبة “لاكي سترايك أوريجينال”، بينما بلغ سعر “لاكي سترايك كليك” و”فروست” 290 دينارًا.
وفي ما يخص منتجات الشركة المتحدة للتبغ ، حُدد سعر علبة “ريم أوريجينال” بـ280 دينارًا، و”نسيم بتوين” بـ240 دينارًا، و”الجزائر” بـ200 دينار، إلى جانب منتجات “مستر فيليب موريس” التي حُددت بـ300 دينار. أما تبغ الاستنشاق (الشمة)، فقد حددت الجريدة الرسمية أسعار منتجات شركة “ديمات ألجيري” حيث بلغ سعر كيس “أسيلة” و”ريمال” و”هايلة” (وزن 30 غرامًا) 210 دنانير.
وبالنسبة لشركة “شروق التبغ”، حُدد سعر كيس “الشروق” بـ185 دينارًا، و”لوكس خروب” بـ175 دينارًا. كما حُدد سعر منتجات شركة “ملكة جواد”، من بينها “الفوارة” و”الشرقية سوبر” و”ماكلة الطاسيلي الحرة”، بـ175 دينارًا للكيس.
ويأتي نشر هذه التسعيرة الرسمية في سياق دقيق، حيث أكدت القرارات الوزارية المشتركة منع بيع منتجات التبغ بأسعار مخالفة للتسعيرة الرسمية، وذلك بهدف ضمان شفافية المعاملات التجارية وحماية المستهلك من الزيادات غير المبررة، ووضع حد للفوضى المسجلة في عدد من نقاط البيع.
الارتفاع الجنوني الأخير في الأسواق ودوافع القرار الرسمي
سبق نشر هذه التسعيرة الرسمية موجة ارتفاع حاد ثانية في غضون ستة أشهر، طالت مختلف الماركات المتداولة في غياب شبه تام لأي تدخل رقابي ميداني من مديريات التجارة، وسط استياء متزايد لدى المستهلكين.
فقد رصدت “مغراب إيمرجنت” معطيات ميدانية في عدد من نقاط البيع قفزة في سعر علبة “مالبورو” من 440 دينارًا إلى 700 دينارًا، وارتفاع علبة “أل أم” من 380 إلى 440 دينارًا، بينما لم تسلم منها حتى الماركات الأقل سعرًا، إذ انتقلت علبة “أل دي” في بعض نقاط البيع إلى 320 دينارًا رغم أن السعر الرسمي المحدد لاحقًا لم يتجاوز 270 دينارًا، أي أن الزيادة التي طبّقها بعض تجار التجزئة تجاوزت في حالات عديدة عتبة 100 دينار خلال أيام قليلة فقط، وبفوارق صارخة عن التسعيرة الرسمية المعتمدة.
وقد تزامن هذا الوضع مع تنبيه تقدمت به جمعية حماية المستهلك إلى خطورة هذه الزيادات المتكررة وغير المعلنة، مطالبةً بفتح تحقيق في أسبابها الحقيقية واتخاذ ما يلزم لحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وترافق ذلك مع توقيع الوزير الأول مرسومًا تنفيذيًا يشدد قواعد تنظيم عرض ووسم منتجات التبغ، يُلزم الشركات بتغطية التحذيرات الصحية لما يصل إلى 60 بالمئة من واجهات العلب، وحظر استخدام مصطلحات تسويقية مضللة من قبيل “خفيف” أو “قليل القطران”.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات التنظيمية، رغم أهميتها الصحية، ساهمت بشكل غير مباشر في دفع بعض تجار التجزئة والموزعين إلى رفع الأسعار استباقًا لأي تغييرات محتملة في تكاليف التغليف أو سلاسل التوريد، في ظل غياب آليات واضحة لضبط السوق، وهو ما دفع الجهات الوصية إلى التدخل بقرار التسعير الموحّد الأخير لوضع حد لهذا التفاوت.
قضية نهب 1000 مليار سنتيم من شركة التبغ المتحد
في خضم هذا الجدل الاقتصادي حول الأسعار، تفجرت قضية فساد كبرى هزّت قطاع التبغ، بعد أن أطاحت المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة المنظمة بشبكة إجرامية متورطة في اختلاس أموال الشركة المتحدة للتبغ ، نفس الشركة المعنية بتسعيرة “ريم أوريجينال” و”نسيم بتوين”، بقيمة إجمالية تقارب 1000 مليار سنتيم، أسفرت عن توقيف 10 أشخاص من بينهم مسؤولون حاليون وسابقون في الشركة.
وكشف التحقيق، الذي امتد لأكثر من ثلاثة أشهر، أن عناصر الشبكة سجّلوا منتجات تبغية في النظام المعلوماتي للشركة دون استلام فعلي من فروع المبيعات، ثم سوّقوها عبر تجار الجملة خارج القنوات الرسمية، ما تسبب في عجز بالمخزون بلغ نحو 500 مليار سنتيم خلال جرد حسابات سنة 2025، فيما كشفت التحقيقات المالية المعمّقة عن ثغرة موازية بالقيمة ذاتها مرتبطة بديون متراكمة غير مسددة من زبائن الشركة.
وشملت حصيلة العملية استرداد ممتلكات ضخمة لأحد المشتبه بهم الرئيسيين، أبرزها فيلتان فاخرتان بالجزائر العاصمة وإسبانيا، وست شقق موزعة على عدة ولايات وأخرى في إسبانيا، فضلًا عن قطعة أرضية بجيجل وثلاث مركبات فارهة ودراجة نارية وأربع ساعات من ماركات عالمية.
ومثل الموقوفون أمام وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بسيدي أمحمد، بتهم إساءة استغلال الوظيفة والتبديد العمدي للأموال العمومية وتبييض الأموال ومخالفة تشريعات الصرف وتحريك رؤوس الأموال إلى الخارج.
من “ملف ستايم” إلى متابعة شرف الدين عمارة
وتمتد جذور الجدل القضائي حول قطاع التبغ إلى ملف أقدم يتعلق بشركة جزائرية–إماراتية ناشطة في التبغ والكبريت، حيث أودع قاضي التحقيق بالغرفة الثانية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي المتخصص في قضايا الفساد بسيدي أمحمد صاحب هذه الشركة، المدعو (م.أ.)، رهن الحبس المؤقت في 13 نوفمبر الماضي، إلى جانب عدد من المتهمين الآخرين، عقب تحريات باشرتها المصلحة المركزية لمكافحة الجريمة المنظمة.
وتتعلق وقائع القضية بشبهات تحويل غير قانوني للأموال وتهريبها نحو الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب تبييض الأموال واكتساب ممتلكات عقارية بطرق غير مشروعة في أحياء راقية بالعاصمة، فيما وُجّهت للمتهمين تهم تبييض الأموال، ومخالفة التشريع المتعلق بالصرف وحركة رؤوس الأموال من وإلى الخارج، والإثراء غير المشروع، وتعارض المصالح.
وفي تطور لاحق متصل بنفس الشبكة، أمر قاضي التحقيق لدى الغرفة الثانية بسيدي أمحمد، يوم الأحد 21 ديسمبر 2025، بإيداع الرئيس المدير العام لمجمع “مدار” العمومي، شرف الدين عمارة، الحبس المؤقت، في قضية تعود وقائعها إلى سنة 2013، أثناء فترة تسييره الشركة الوطنية للتبغ والكبريت، المرتبطة بشراكة مع الشركة الجزائرية الإماراتية”ستايم” المتخصصة في التبغ والكبريت.
وخضعت هذه الشراكة لتحقيقات حول شبهات نقل أموال بطريقة غير قانونية إلى الإمارات، كما كشف المحققون عن اقتناء عقارات غير مشروعة في أحياء راقية بالعاصمة ممولة بهذه التدفقات، علمًا أن مالك “ستايم” ذاته سبق أن أودع رهن الحبس المؤقت في القضية الأولى.
ويواصل القطب الجزائي الاقتصادي والمالي التحقيق في الملفين لكشف الامتدادات المحتملة للشبكات المالية المتورطة وتحديد حجم الأموال المحولة بطرق غير مشروعة، في انتظار استكمال الإجراءات وإحالة الملفات على المحاكمة.


