كهرباء، ميكانيك… نساء جزائريات اقتحمن مهنا لم تكن مرسومة لهن

مكتب في الجزائر العاصمة تحت مطر مارس. ورشة في الأغواط. سيارة تجوب ضواحي العاصمة. ثلاث نساء، ثلاث مهن لم يخصصها لهن أحد.

10 min de lecture
‎الكهرباء، وميكانيك السيارات، وسيارات الأجرة. في الجزائر، يمارسن مهناً لم يكن أحد يتوقع أن تكون من نصيبهن.

في ذلك الصباح، كان المطر يقرع نوافذ مقر “كهرباء سنتر” بالمنطقة الصناعية وادي السمار في الجزائر العاصمة. نور الدنيا عبدي، الشابة البالغة من العمر 24 سنة، كانت جالسة خلف مكتبها كما يستقبل أي رئيس مؤسسة زائرا، ملفات اليوم مفتوحة أمامها، وكوب شاي لم تجد الوقت لإنهائه. تنشط شركتها في توزيع المعدات الكهربائية والمعلوماتية لورشات البناء ومشاريع الشبكات، بكتالوج يضم كبرى العلامات الأوروبية والأمريكية، من شنايدر إلكتريك إلى جنرال إلكتريك لايتنغ، مرورا بـ”إي بي بي” و”لوغران” و”نيكسانس”.

‎نور الدنيا عبدي،24 عاماً، في مكاتب مركز كهرابا، بوادي سمار (الجزائر العاصمة). ©Maghreb Emergent

زبائنها متنوعون بقدر تنوع كتالوجها. الأفراد يقصدونها لاقتناء المعدات أو لطلب خدمات التركيب. مؤسسات الإنجاز والمرقون العقاريون يتزودون منها لورشاتهم. ثم هناك زبائن قد لا يتوقعهم المرء في دفتر مؤسسة تديرها شابة في الرابعة والعشرين. تقول دون أي تكلف: “نبيع أيضا لمؤسسات هي زبائن نهائيون مثل كوسيدار وسوناطراك وفروعها، إلى جانب وزارتي الشؤون الخارجية والفلاحة.” مراجع تؤكدها الإنجازات على أرض الواقع: ملعب دويرة، مترو الجزائر، غاردن سيتي، المركز الدولي للمؤتمرات خلال القمة العربية في نوفمبر 2022، مصنع إسمنت الشلف، مشروع “لوباتيو” العقاري.

هي أول من يقول إنها ما كانت لتبني كل هذا بمفردها. والدها يتكفل بالمحاسبة، ووالداها كانا منذ البداية شريكين في هذه المغامرة. ليست تلك تفصيلة عابرة. الوكالة الوطنية لدعم وتنمية المقاولاتية (أناد)، الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (أنساج) سابقا، لا تتجاوز نسبة المشاريع النسوية الممولة لديها 11 بالمائة، تتمركز أساسا في الخدمات والمهن الحرة، في حين منحت الوكالة الوطنية لتسيير القرض المصغر (أنجام) نسبة 63.28 بالمائة من قروضها للنساء، أي 611420 مشروعا ممولا. القرض المصغر يصل إلى النساء، أما تمويل النمو فبالكاد. في هذه البيئة، يقوم الدعم العائلي غالبا بما لا تقوم به الآليات العمومية.

تشغل مؤسستها نحو عشرين شخصا، وعدد متزايد من النساء يطرقن بابها لتعلم المهنة. تكشف عن مشروع آخر قيد الإعداد: كتاب “لمشاركة تجربتي مع النساء الراغبات في ممارسة هذه المهنة”. أما التجارة، فلا تنتظر الكتابة.

“الأجانب كانوا أقل تقبلا”

ما يلفت في رواية نور ليس السبق في السن بقدر ما هو جغرافية المقاومات. في الجزائر، تقول إنها لقيت استقبالا حسنا في معظم الأحيان. تروي: “الجزائريون، خلافا للأفكار الشائعة، كانوا يستقبلونني بسرور، وكانوا فخورين نوعا ما برؤيتي، كامرأة، أنافسهم.” العداء، وجدته في مكان آخر.

مع الشركاء الأتراك والصينيين والألمان والبريطانيين، كان المشهد مختلفا. تواصل: “حين يرونني قادمة، كان يصعب عليهم تقبل أن امرأة، شابة جدا فوق ذلك، يمكن أن تكون رئيسة مؤسسة، خاصة في قطاع الكهرباء.” تعين عليها التفاوض، لا على الأسعار أو الآجال، بل على المشروعية ذاتها. تفاوضت. وحصلت على الصفقات.

غير أن هذه الجبهة باتت اليوم خلفها. ما يشغلها الآن من طبيعة أخرى، إدارية وتنظيمية. “كهرباء سنتر” مؤسسة خدمات. ومنذ جويلية 2025، صارت مؤسسات الخدمات مستبعدة من حق الاستيراد المباشر، مجبرة على فتح سجل تجاري ثان مخصص للاستيراد. مذكرة جمعية البنوك والمؤسسات المالية (أبيف) الصادرة في 9 جويلية 2025 فرضت تقديم برنامج تقديري للاستيراد لكل توطين بنكي، وثيقة تخضع لتأشيرة وزارة التجارة الخارجية قبل أي عملية.

عمليا، باتت نور عاجزة عن استيراد المعدات التي يتطلبها زبائنها بشكل مباشر. بعض التجهيزات، كالمحولات الكهربائية، أصبح الحصول عليها في السوق المحلية أمرا عسيرا. المنتوج المصنوع في الجزائر لا يصمد ستة أشهر، تقول. النتيجة: خسارة زبونين أو ثلاثة، لتعذر ضمان جودة المعدات الموردة. للالتفاف على القيد، تمر الآن عبر شركات استيراد وسيطة. وليس ذلك دون تكلفة: لم تعد تتحكم في سلسلة تموينها، ولا في الآجال، ولا في مطابقة المنتجات المسلمة.

منذ 9 جويلية 2025، باتت كل عملية استيراد للخدمات تستلزم ترخيصا مسبقا من وزارة التجارة الخارجية قبل أي توطين بنكي. الإجراء يهدف إلى الحد من نزيف العملة الصعبة. بالنسبة لنور، يعني ذلك ببساطة أنها لم تعد تعرف لا متى ستصل معداتها ولا في أي حال.

“نستغني عن النظرية، الممارسة هي الأساس”

اختارت حدة جغيدال طريقا لا يظهر في أي إحصائية للمقاولاتية النسوية. مهندسة دولة في الميكانيك، متخرجة من جامعة الأغواط سنة 2011، أرسلت في الأشهر التي تلت تخرجها عشرات الترشيحات. لم تتمخض أي منها عن نتيجة. فتقدمت إلى باب ورشة سيارات في الحي، وشهادتها في كيس بلاستيكي، وطلبت العمل. فتح الباب.

‎هدى جغيدل في ورشتها بالأغواط

لم يكن ذلك فعل شجاعة، بل قرارا عمليا اتخذته امرأة أرادت ممارسة مهنتها، وأدركت أن لا أحد سيأتي ليعرضها عليها. يشير مركز البحث في الاقتصا التطبيقي من أجل التنمية (الكريد) إلى أن وزن المقاولاتية النسوية مقارنة بالمقاولاتية الإجمالية تراجع من 20.1 بالمائة سنة 2004 إلى 11.4 بالمائة فقط سنة 2018، رغم ارتفاع عدد النساء المقاولات بنسبة 60.1 بالمائة بين 2003 و2018. مهندسة ميكانيك تطرق باب ورشة لانعدام طالبيها في سوق العمل، صورة تكشف ما لا تلتقطه الأرقام: كفاءات تتسرب نحو وجهات غير تلك التي تنتظرها.

بعد سنوات، صارت الورشة تشتغل على نحو مختلف منذ التحاقها بها. أدخلت التشخيص بالماسح الإلكتروني، تقنية لم يكن زملاؤها الأقدم يستعملونها. ربها، العربي توال، يصف ورشته بـ”المختبر الحقيقي” منذ قدومها، ويثني على ما يسميه “مواظبتها وانضباطها وتمكنها من العمل”. وكالة الأنباء الجزائرية تقدمها كأول امرأة ميكانيكية سيارات في الولاية.

لا تقدم حدة جغيدال نفسها كرائدة. تتحدث عن زبائنها وعن أدواتها. تقول: “معارفي في ميكانيك السيارات لم تتوقف عن التوسع باحتكاكي بالميكانيكيين الرجال، الذين يملك بعضهم، رغم أن مستواهم لا يتعدى التقني، قدرات كبيرة في هذه المهنة.” امرأة تنظر إلى زملائها الرجال دون أن تعتبرهم خصوما، وتتعلم منهم دون عقدة.

“أنا التي اضطررت أن أقول لها إني أرفض نقلهما”

الوجه الثالث لهذه الجزائر المتحركة يجلس خلف مقود. ليلى، في الثلاثين من عمرها، عزباء، سائقة على منصة “هيتش”. مهندسة في الهندسة المدنية بالأصل، لم تعثر على منصب في تخصصها. وحيدة والديها، لم ترد أن تعيش على معاش تقاعد “بالكاد يكفيهما”. دراسة نشرت سنة 2024 حول قطاعي الصناعة التقليدية والخدمات تكشف أن أكثر من 72 بالمائة من المساعدات الممنوحة للنساء عبر الآليات العمومية تتمركز في ثلاثة قطاعات نشاط فقط. الهندسة المدنية ليست من بينها.

تروي: “بدأت بنقل أحد أفراد عائلتي إلى الطبيب. قلت في نفسي، لم لا؟” تعترف بالجانب “النمطي قليلا” للوضع، قبل أن تضيف أنه بالضبط “واقع كثير من الشابات الجزائريات اللواتي يردن الاعتماد على أنفسهن.”

هذا الخيار يحمل جزءا من المخاطرة قدرته ليلى قبل أن تخوض غمار التجربة. السائقون الذين يستخدمون تطبيقات مثل “هيتش” و”ياسير” و”إن درايف” معرضون لغرامة، بل لحجز مركباتهم، بما أن نشاطهم لا تعترف به رسميا لا وزارة النقل ولا وزارة التجارة. “ياسير” جمعت 193 مليون دولار في سبع سنوات، أداء عرضته بورصة نيويورك على أرضيتها عند جولة التمويل من الفئة “بي” في نوفمبر 2022. أكثر شركة ناشئة قيمة في شمال إفريقيا تنشط في بلد لا يملك فيه سائقوها أي وضع قانوني. خلال جلسة في المجلس الشعبي الوطني، أكد وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، أن مشروع قانون يؤطر نشاط نقل الأشخاص الخاص موجود لدى الأمانة العامة للحكومة. لم يصادق على أي نص بعد.

عاشت ليلى هذه التجربة مباشرة. أوقفها عناصر الشرطة مرتين وطلبا منها وثائقها. في كل مرة، قدمت أوراقها، شرحت، انتظرت. وغادرت دون محضر. للحد من المخاطر، صارت تطلب من زبائنها الجلوس في المقعد الأمامي، إلى جانب السائق. تقول: “في الخلف، يصبح الأمر شديد الوضوح.” زبون يجلس خلف سائقة، المشهد قابل للقراءة فورا من قبل أي شرطي. أما الجلوس في الأمام، فيمنح الرحلة مظهرا آخر. هذا الترتيب الصغير يقول، أفضل من أي رقم، ما يعنيه ممارسة نشاط دون وضع قانوني في الحياة اليومية.

بالنسبة لليلى، يضاف هذا الفراغ القانوني إلى شكل آخر من التعرض، ذاك الذي يفرضه عليها جنسها. عقول رافضة، صادفتها. ذات يوم، تتلقى طلبا. على الطرف الآخر من الخط، زبونة، وفي الخلفية، صوت رجل يزمجر: “هل ردت عليك امرأة؟ هل هي هيتش؟” تؤكد الزبونة. الرجل يأخذ في الاحتداد. ليلى تحسم قبله. “أنا التي اضطررت أن أقول لها إني أرفض نقلهما، وأنه عليها إعادة طلبها. ستقع حتما على رجل هذه المرة.”

تعمل نهارا فقط، في وسط الجزائر العاصمة وضواحيها. محيط مختار، لا مفروض. بلغ عدد التاجرات المسجلات في السجل التجاري 218486 في الأسبوع الأول من مارس 2026، مقابل 159807 في نهاية 2019، أي ارتفاع بنسبة 37 بالمائة في ست سنوات، يمثلن 9 بالمائة من إجمالي التجار المسجلين في المركز الوطني للسجل التجاري. ليلى لا تظهر في أي من هذه السجلات. تعمل بصفة مزود خدمة على منصة رقمية، في فضاء لم تتعلم الإحصائيات الرسمية للمقاولاتية النسوية بعد كيفية قياسه. مثل نور خلف مكتبها في المنطقة الصناعية وادي السمار، مثل حدة في ورشتها بالأغواط، لم تختر نشاطها لتبرهن على شيء.


‎أُنجز هذا التحقيق في إطار أنشطة شبكة وسائل الإعلام المستقلة حول العالم العربي. يضمّ هذا التعاون الإقليمي كلاً من: السفير العربي، بابل ميد، مدى مصر، مغرب إيمرجان، ماشاالله نيوز، نواة، حبر، وأوريان XXI.

Partager cet article