شكّل عرض التقرير السنوي لعام 2025 لمنظمة العفو الدولية مناسبة لمعاينة تفاقم مسار تدهور الحريات وحقوق الإنسان في الجزائر، بما يعد انتهاكاً للمبادئ الدستورية، رغم تسجيل بعض التقدّم، لا سيما فيما يتعلق بحقوق المرأة.
وقد قدّمت مديرة منظمة العفو الدولية في الجزائر، حسينة أوصديق، يوم الثلاثاء 21 أبريل، تقييماً صريحاً للوضع الوطني. وبينما تقرّ المنظمة بوجود ازدواجية في الديناميكيات القائمة، فإنها تعبّر بالدرجة الأولى عن قلقها من التقلص المستمر للحيز المدني.
هذا التقييم، الذي وُصف بـ “المقلق”، يسلّط الضوء على فجوة واضحة بين النصوص الأساسية والواقع الميداني؛ لا سيما بين الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها الجزائر من جهة، والقوانين المصادق عليها التي لا تتوافق مع القانون الأسمى ولا مع الالتزامات الدولية من جهة أخرى. وترى المنظمة أن الإبقاء على ترسانة قانونية مقيّدة وتعزيزها يمسّ بجوهر الحريات العامة، مثل حرية التعبير وإنشاء الجمعيات والتجمع السلمي. وتشير حسينة أوصديق إلى أن نظام التصريح المسبق لهذه الأنشطة، الذي يكفله الدستور، “تم إفراغه من مضمونه بفعل القوانين أو الممارسات”.
هذه النزعة ليست جديدة، لكنها تبلورت بشكل أوضح في عام 2025 من خلال إرادة متزايدة لفرض رقابة إدارية مشددة، مما يهدد انسجام التشريع الجزائري مع التزاماته الدستورية والمعايير الدولية للأمم المتحدة.
ترسانة تشريعية تحت عنوان الرقابة
في صلب الانتقادات التي وجّهتها منظمة العفو الدولية يبرز مشروع القانون المتعلق بالجمعيات، الذي لا يزال معروضاً على البرلمان. ووفقاً لحسينة أوصديق، يثير هذا النص “تحفظات قوية” داخل المجتمع المدني، لأنه يكرّس رقابة إدارية صارمة على إنشاء الجمعيات وتسييرها وتمويلها.
وكان دستور 2020 قد أقرّ نظام التصريح، بهدف تبسيط عمل الجمعيات. غير أن منظمة العفو الدولية، وهي تدعو إلى مواءمة القوانين مع المعايير الدولية لحرية تكوين الجمعيات، تحذّر من أن الجزائر قد تعرّض أحد أعمدة دولة القانون للشلل. وقد تجسّد هذا الإطار المقيّد عملياً في عام 2025 من خلال المنع شبه المنهجي للتجمعات العامة، بما في ذلك تلك التي هدفت إلى التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، في دلالة على انغلاق الفضاء العام أمام مختلف أشكال المعارضة أو التعبئة المدنية.
مضايقات قضائية وتشكيك في شروط المحاكمة العادلة
كما يندد التقرير بـ “تجريم المعارضة” عبر الاستخدام التعسفي للقانون الجنائي. ففي عام 2025، استمر استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والنقابيين والصحفيين بإجراءات قضائية استندت إلى تهم فضفاضة، غالباً ما ترتبط بالأمن القومي أو الإرهاب. وقد حذّرت حسينة أوصديق من ممارسات مقلقة، من بينها الحبس الاحتياطي غير المبرر، وحملات التشهير، والمحاكمات السريعة. وتُعدّ مراجعة قانون الإجراءات الجزائية، التي صودق عليها في 12 مايو 2025، من بين أبرز النقاط المثيرة للجدل، لما تضمّنته من تعديلات تُطرح بشأنها إشكالات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة.
والأكثر إثارة للقلق هو توسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل جرائم مرتبطة بالمخدرات، مما يُعدّ تراجعاً كبيراً يتناقض مع الاتجاه العالمي نحو الإلغاء، ومع الموقف التاريخي للجزائر الداعم لتجميد تنفيذ هذه العقوبة في الأمم المتحدة.
بين دبلوماسية نشطة وتقدم في حقوق المرأة
ورغم هذه الصورة القاتمة، يسلّط التقرير الضوء على بعض الجوانب الإيجابية، خاصة في مجال حقوق المرأة. فقد حققت الجزائر “تطورات إيجابية” من خلال رفع تحفظاتها على المادة 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، مما يضمن حرية التنقل واختيار مكان الإقامة. كما يشكّل اعتماد آليات للحماية، مثل خط المساعدة ومنصة رقمية لضحايا العنف، تقدماً ملموساً على الصعيد القطاعي.
وعلى الصعيد الدولي، تشيد منظمة العفو الدولية بانخراط الجزائر في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وبصفتها عضواً غير دائم، دافعت الجزائر بنشاط عن القانون الإنساني الدولي، وقدمت مشاريع قرارات لحماية المدنيين في غزة والسودان، رغم استخدام الولايات المتحدة حق النقض. ومع ذلك، ترى المنظمة أن هذا الانسجام في المواقف الدبلوماسية ينبغي تعزيزه عبر المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بما يعزز اندماج البلاد في منظومة العدالة الدولية.
