رصدت الجهات المختصة ميزانية عمومية موجهة لدعم 138 جمعية ثقافية خلال السنة المالية 2026، موزعة على ولايات الوطن، في إطار سياسة ترى في القطاع الثقافي رافداً اقتصادياً لا مجرد إنفاق اجتماعي. غير أن القائمة المُعلنة اقتصرت على أسماء الجمعيات والولايات وعناوين المشاريع، دون الكشف عن المبالغ المخصصة لكل مشروع أو عن حجم الغلاف المالي الإجمالي، وهو ما يُضيّق هامش التقييم الكمي لهذه المبادرة.
كشف توزيع المشاريع عن توجه استراتيجي نحو قطاعات ذات عائد اقتصادي مباشر أو غير مباشر. فالتراث المادي واللامادي احتل الحيز الأوسع، إذ تتصدر مشاريع التوثيق الرقمي وصون الحرف التقليدية القائمةَ، كمشروع “قوافل الفخار الأسود” بأدرار الذي يجمع بين التوثيق ورقمنة المحتوى، ومشاريع أيام الحلي التقليدي بباتنة، وصناعة البرنوس الوبري بالجلفة. وتشكّل هذه المشاريع قاعدة محتملة لاقتصاد إبداعي مرتبط بالسياحة الثقافية.
وفي الوقت ذاته، نالت الصناعات الإعلامية والسينمائية نصيباً وافراً عبر ملتقيات الفيلم القصير في بشار وتمنراست وسكيكدة، ولقاءات بجاية الدولية السينمائية، فضلاً عن برامج تكوين الشباب في الإنتاج السمعي البصري بولاية أم البواقي، مما يُشير إلى استثمار مقصود في رأس المال البشري. أما الاقتصاد المعرفي وصناعة الكتاب فقد مثّله دعم فعاليات من قبيل “ماراثون القراءة” بسيدي بلعباس، والجوائز الأدبية بتلمسان والعاصمة، وهي آليات تُحرّك سوق النشر وتصنع قيمة رمزية قابلة للتسويق.
على صعيد التوزيع الجغرافي، يتجاوز هذا الدعم النموذجَ التقليدي المتمركز حول الحواضر الكبرى، ليمتد نحو الولايات المستحدثة ومناطق الجنوب التي تمتلك إرثاً ثقافياً خاماً ذا جاذبية سياحية كامنة.
فتيميمون تُدرج مشاريع في الرسم والتدوير، وبرج باجي مختار تطرح الرسم على الجدران منتجاً ثقافياً، فيما تستهدف جانت وإن قزام توثيق التراث البدوي المادي واللامادي. وهذا التوجه يعكس إدراكاً متنامياً بأن الهوامش الجغرافية قد تُولّد محتوىً ثقافياً فريداً يصعب تكراره، وهو ما يجعل منه أصلاً اقتصادياً قابلاً للاستثمار السياحي في المدى المتوسط.
بيد أن قراءة هذه المبادرة اقتصادياً لا تستقيم دون الإشارة إلى ثغرات في الشفافية. غياب مؤشرات الأداء المسبقة، وعدم الإفصاح عن آليات الرقابة على الإنفاق أو معايير اختيار المشاريع، يجعل الحكم على كفاءة التوزيع أمراً متعذراً في المرحلة الراهنة.
ويُطرح كذلك تساؤل منهجي حول قدرة 138 جمعية — بمستويات متفاوتة من الخبرة المؤسسية — على استيعاب التمويل وتحويله إلى ناتج اقتصادي قابل للقياس. ويبقى النجاح مشروطاً بآليات تنفيذ صارمة ومتابعة ميدانية حقيقية، تحوّل هذه القائمة من مجرد توزيع دعم إلى استثمار ثقافي بعوائد قابلة للرصد والتقييم.

