أزمة الهجرة في سبتة: هل وجّه المغرب ضربة جديدة؟… الصحافة الإسبانية تتساءل

أعادت موجة الهجرة غير النظامية التي تشهدها مدينة سبتة منذ 20 جويلية فتح نقاش قديم في إسبانيا حول دور المغرب في إدارة تدفقات الهجرة. فبينما ترى بعض وسائل الإعلام أن ما يحدث قد يعكس تخفيفاً متعمداً للرقابة على الجانب المغربي من الحدود، تربط صحف أخرى الأزمة بعوامل ميدانية وقانونية ومناخية، وترفض الجزم بوجود قرار سياسي صادر عن الرباط.

6 min de lecture
حراقة وصلوا سبتة بحراً: هل أطلق المغرب عملية هجينة ضد إسبانيا“؟ سؤال تطرحه الصحف الإسبانية

تكشف مراجعة للصحافة الإسبانية عن قراءتين مختلفتين للأزمة. فبينما تتفق معظم وسائل الإعلام على أن المدينة تواجه واحدة من أكبر موجات الوصول خلال السنوات الأخيرة، إذ نجح نحو ألفي مهاجر، بينهم عدد كبير من القاصرين، في الوصول إليها خلال أيام قليلة، فإنها تختلف بشأن تفسير موقف المغرب.

فرضية وجود ضغط سياسي من الرباط

بدأ الجدل مع تزامن حدثين لفتا انتباه عدد من وسائل الإعلام الإسبانية. ففي 20 جويلية، توجّه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر لإعلان استئناف العلاقات الطبيعية بين البلدين بعد أربع سنوات من الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت تغيير مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية. ورغم قصر الزيارة، فقد اتسمت بأجواء ودية، وانتهت بالاتفاق على إعادة تفعيل الاجتماع رفيع المستوى، وهو الآلية الرئيسية للتعاون السياسي والاقتصادي بين الجزائر وإسبانيا. وبعد أيام قليلة فقط، بدأت مئات محاولات العبور سباحة نحو سبتة انطلاقاً من شواطئ الفنيدق (كاستييخوس)، مستفيدة من الضباب الكثيف الذي غطّى مضيق جبل طارق.

بالنسبة لعدد من وسائل الإعلام الإسبانية، فإن هذا التزامن ليس مجرد صدفة. وتتبنى هذا الطرح وسائل إعلام مثل وتتبنى هذا الطرح وسائل إعلام مثل «ذا أوبجيكتيف» (The Objective)، و، و«إل موندو» (El Mundo)، و«بوثبوبولي » (Vozpópuli)، و«إل ديباتي» (El Debate)، و«لا راثون» (La Razón)، و«غاسيتا» (Gaceta). وتقوم فرضيتها الأساسية على أن المغرب يمتلك أجهزة أمنية قادرة على منع عمليات العبور الجماعية متى أراد ذلك، وبالتالي فإن وصول مئات المهاجرين إلى سبتة خلال ليالٍ متتالية لا يمكن تفسيره، في نظرها، إلا بوجود قدر من التساهل في الرقابة.

استحضار أزمة عام 2021

وتعيد عدة صحف التذكير بأزمة مايو 2021، حين دخل أكثر من عشرة آلاف مهاجر إلى سبتة بعد تدهور العلاقات بين مدريد والرباط على خلفية استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. ويرى موقع “ذا أوبجيكتيف” أن كثيراً من عناصر الشرطة والحرس المدني الذين يعملون في الميدان يقارنون تلقائياً بين الأزمتين. وينقل الموقع عن مصادر أمنية أن الانطباع السائد لدى عدد من رجال الأمن هو أن المغرب خفّف من مستوى الرقابة الحدودية عقب زيارة سانشيز إلى الجزائر، وهي زيارة فسّرتها الرباط، بحسب الموقع، على أنها مؤشر على تقارب جديد بين مدريد والجزائر. كما نقل الموقع عن مصادر دبلوماسية حديثها عن امتعاض داخل الأوساط المغربية من هذه الزيارة.

قراءة أكثر حذراً لدى «إل كونفيدنسيال»

أما “إل كونفيدنسيال ( El Confidencial)، من خلال مقالات المتخصص في شؤون المغرب العربي إغناسيو سيمبريرو، فيقدّم قراءة أكثر تحفظاً، ولا يربط بين موجة الهجرة وزيارة سانشيز إلى الجزائر.ويشير الموقع الإخباري إلى أن البحرية الملكية المغربية تواصل اعتراض أعداد كبيرة من المهاجرين في عرض البحر، لكنه ينقل في المقابل شهادات من “الفنيدق” تتحدث عن حضور أقل كثافة للقوات المساعدة على الشواطئ خلال ساعات الليل، وهو ما يتيح لمجموعات من الشبان الوصول إلى البحر.

ويرى الموقع أن هذا التناقض يطرح تساؤلات حول اختلاف مستوى الرقابة بين البحر واليابسة. كما يعتبر “إل كونفيدنسيال” أن هذه المعطيات ترافقت مع عامل آخر يتمثل في الحكم الذي أصدرته الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الإسبانية في الثامن من جويلية، والذي استبعد تطبيق الإعادة الفورية للمهاجرين (entregas en caliente) على الأشخاص الذين يتم اعتراضهم أثناء السباحة نحو سبتة ومليلية، باعتبار أن هذا الإجراء لا ينص عليه قانون الهجرة الإسباني. وبحسب الموقع، فقد انتشر مضمون هذا القرار سريعاً عبر شبكات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي زاد من جاذبية هذا المسار بالنسبة للمهاجرين.




وتتبنى صحف محافظة مثل إل ديباتي (El Debate) وأوكي دياريو (OKDiario)، إلى جانب عدد من نقابات الحرس المدني، القراءة نفسها، معتبرة أن هذا التطور القضائي أحدث «عامل جذب» جديداً، تزامن مع رقابة مغربية أقل تشدداً.
الصحافة القريبة من الحكومة: الضباب وشبكات التواصل الاجتماعي
في المقابل، تتبنى وسائل إعلام محسوبة على تيار الوسط واليسار، إلى جانب وكالات الأنباء، تفسيراً مختلفاً. فصحف إل باييس” El País” وإذاعة كادينا سير “Cadena SER” ووكالتا إيفي (EFE) وأوروبا برس (Europa Press) لا تربط بين زيارة سانشيز إلى الجزائر والارتفاع المفاجئ في أعداد الوافدين إلى سبتة. وتركز هذه الوسائل على عوامل ميدانية، أبرزها الضباب الكثيف الذي غطّى مضيق جبل طارق خلال الأيام الأخيرة، والذي حدّ بشكل كبير من فعالية وسائل المراقبة لدى الجانبين الإسباني والمغربي.كما تشير إلى أن عمليات العبور باتت تُنسَّق بسرعة عبر منصات مثل «تيك توك» و«تلغرام»، بما يسمح لمجموعات كبيرة بالتحرك في الوقت نفسه بمجرد تحسن الظروف المناخية. وتؤكد هذه الوسائل أيضاً أن القوات المغربية تواصل يومياً إحباط عدد كبير من محاولات العبور، مذكّرة بتصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا الذي وصف التعاون الأمني مع المغرب بأنه «قائم على الثقة والولاء» ويظل «استراتيجياً».
تباين يتجاوز وسائل الإعلام
ولا يقتصر هذا الاختلاف على وسائل الإعلام، بل يمتد أيضاً إلى بعض مؤسسات الدولة الإسبانية. فبينما تتهم نقابات الشرطة وجمعيات الحرس المدني وعدد من المسؤولين المحليين في سبتة السلطات المغربية بالتساهل في مراقبة الحدود، يشير The Objective إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية لا تمتلك، حتى الآن، أي معطيات تثبت وجود صلة مباشرة بين زيارة سانشيز إلى الجزائر وموجة الهجرة الحالية. وبعبارة أخرى، فإن الشكوك التي تطرحها بعض الأوساط الأمنية والسياسية لا تستند، حتى الآن، إلى أدلة معلنة تؤكدها.

Partager cet article