بينما تتوالى مشاهد العبور الخطيرة، تتداخل في هذه الأزمة ثلاثة أبعاد رئيسية: أزمة إنسانية على الأرض، وإشكال قانوني بعد قرار حديث للمحكمة العليا الإسبانية، وسجال سياسي متصاعد بين مدريد وسلطات سبتة والمعارضة
حدود تحت ضغط غير مسبوق
بلغت الضغوط على الحدود البحرية لمدينة سبتة مستويات غير مسبوقة، حيث يحاول مئات الشبان، ومعظمهم من المغاربة، إلى جانب جزائريين ومهاجرين آخرين ، الوصول إلى المدينة سباحة انطلاقاً من شواطئ الفنيدق وبليونش، في محاولة للالتفاف على الحواجز الحدودية.
ورغم أن المسافة لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار، فإن هذا المسار يعد من أخطر طرق الهجرة في غرب البحر الأبيض المتوسط، بسبب التيارات البحرية القوية وقيام معظم محاولات العبور ليلاً ومن دون وسائل نجاة. وخلال الساعات الأخيرة، انتشلت فرق الإنقاذ أربع جثث جديدة، فيما لا يزال نحو عشرين شخصاً في عداد المفقودين، ليرتفع عدد الضحايا المسجلين منذ بداية عام 2026 إلى ما لا يقل عن 27 وفاة. في المقابل، تجد قوات الحرس المدني الإسباني، وفرق الإنقاذ البحري، ومتطوعو الصليب الأحمر الإسباني، صعوبة متزايدة في التعامل مع موجات متلاحقة من الوافدين.
وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف الضغوط
وترى السلطات الإسبانية أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً محورياً في تضخيم هذه الظاهرة، من خلال نشر دعوات جماعية عبر تطبيقات مختلفة تحث مئات الأشخاص على تنفيذ محاولات عبور متزامنة، الأمر الذي يرهق قدرات الإنقاذ ويصعّب عمليات الاعتراض، سواء على الجانب المغربي أو الإسباني. على الجانب المغربي، تواصل البحرية الملكية والدرك الملكي تكثيف الدوريات على طول الساحل، ويتم اعتراض أعداد كبيرة من المهاجرين قبل انطلاقهم نحو سبتة.
وعلى خلاف أزمة عام 2021، لا تتهم الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية الرباط بالوقوف وراء هذه الموجة أو بتوظيفها سياسياً، بل يتركز النقاش حالياً حول مدى فعالية الإجراءات الوقائية. وفي هذا السياق، يرى عدد من النقابات الممثلة لعناصر الحرس المدني الإسباني أن بإمكان السلطات المغربية تشديد الرقابة على الطرق البرية المؤدية إلى نقاط الانطلاق الرئيسية
أزمة استقبال… وتعقيد قانوني
تكشف هذه التطورات أيضاً حدود المنظومة الإسبانية في التعامل مع تدفقات الهجرة. فمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين في سبتة (CETI) تجاوز طاقته الاستيعابية، إذ يؤكد رئيس الحكومة المحلية أن أكثر من ألفي شخص يقيمون حالياً داخل مرافق المدينة، بينما يضطر مئات آخرون إلى المبيت في العراء بسبب نقص أماكن الإيواء.
وتفاقمت الأزمة بعد قرار أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 جويلية 2026، قضى بأن الإعادة الفورية إلى الحدود لا تنطبق على المهاجرين الذين يصلون بحراً، وإنما تقتصر على حالات اجتياز السياج الحدودي البري. ويرى مراقبون أن هذا الحكم غيّر حسابات كثير من المهاجرين، الذين باتوا يفضلون المخاطرة بالوصول سباحة بدلاً من محاولة اقتحام الحواجز البرية، رغم ما تنطوي عليه الرحلة البحرية من مخاطر كبيرة.
احتدام السجال السياسي
أشعلت هذه التطورات مواجهة سياسية حادة داخل إسبانيا. فقد أعلن رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أن المدينة تعيش حالة «انهيار» في قدراتها على الاستقبال، مطالباً بإنشاء قيادة موحدة لإدارة الأزمة، إلى جانب تعديل قانون الهجرة بما يسمح بإعادة المهاجرين الذين يصلون بحراً بصورة أسرع، وإلزام باقي الأقاليم الإسبانية باستقبال جزء من الوافدين.
في المقابل، تدافع الحكومة المركزية في مدريد عن أداء قوات الأمن، وتؤكد تمسكها بالتعاون مع المغرب واحترامها للإطار القانوني الذي رسمته المحكمة العليا، مع رفضها الاتهامات الموجهة إليها بشأن سوء إدارة مراكز الاستقبال. أما حزب فوكس (VOX) اليميني المتطرف، فيطالب بإعادة جميع المهاجرين الموجودين في وضع غير نظامي بشكل فوري، وتشديد الرقابة على الحدود، ونشر الجيش لتأمين المدينة، رافضاً أي خطة تقوم على توزيع الوافدين بين مختلف الأقاليم الإسبانية.
وبينما تتواصل محاولات العبور بشكل شبه يومي، لم تعد أزمة سبتة تقتصر على الجانب الإنساني أو الأمني فحسب، بل تحولت إلى اختبار لقدرة إسبانيا على التوفيق بين حماية حدودها الخارجية، والالتزامات القانونية، وواجبات الإنقاذ في البحر.


