تعيش ثلاث عائلات أياماً من القلق والترقب، بعد اختفاء ثلاثة أصدقاء جزائريين أثناء محاولتهم الوصول إلى مدينة سبتة سباحة انطلاقاً من منطقة الفنيدق شمال المغرب. وذكرت صحيفة «إل فارو دي سبتة» (El Faro de Ceuta) أن الرجال الثلاثة، وهم مصطفى، دخلوا البحر صباح الجمعة حوالي الساعة السابعة. وكانوا يرتدون بدلات غوص من النيوبرين بألوان مختلفة، ويحملون زعانف سباحة، على أمل تجاوز الحاجز الحدودي البحري بمنطقة طاراخال (Tarajal) والوصول إلى سبتة بعيداً عن نقاط المراقبة.
وخلال الرحلة، تمكن الثلاثة من إجراء آخر اتصال هاتفي، أبلغوا فيه أصدقاءهم بأنهم لا يزالون في البحر، وأنهم يشاهدون جبلاً في الأفق، ويحتاجون إلى النجدة. وبعد دقائق انقطع الاتصال نهائياً، ولم يُعثر عليهم منذ ذلك الحين. وسرعان ما انتشرت صورهم بين الجزائريين الموجودين في سبتة وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق أقاربهم وأصدقاؤهم نداءات للبحث عنهم أو الحصول على أي معلومات قد تقود إلى تحديد مصيرهم.
محاولات متزايدة لعبور البحر سباحة
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة. فمنذ أشهر، تسجل السلطات الإسبانية ارتفاعاً في محاولات الوصول إلى سبتة سباحة انطلاقاً من سواحل الفنيدق المغربية، في مسار لا تتجاوز مسافته بضعة كيلومترات، لكنه يعد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في غرب المتوسط بسبب التيارات البحرية القوية، وبرودة المياه، وتشديد الرقابة الأمنية. وبحسب موقع «إل بويبلو دي سبتة» (El Pueblo de Ceuta)، نقلاً عن المكتب الإعلامي لـ الحرس المدني الإسباني (Guardia Civil)، فقد انتُشل 46 جثة لمهاجرين من سواحل سبتة خلال سنة 2025، وهو أعلى رقم يسجل في المدينة. كما أفادت الصحيفة بأن 21 حالة وفاة سُجلت منذ بداية سنة 2026، وهو رقم يعادل تقريباً حصيلة سنة 2024 بأكملها.
جزائريون على طريق غير مألوف
ويشمل هذا المسار أيضاً مهاجرين جزائريين. فبينما تتم محاولات «الحرقة» نحو إسبانيا، في العادة، انطلاقاً بالقوارب من السواحل الغربية للجزائر، وكذلك من منطقة الجزائر العاصمة، تشير تقارير إعلامية إلى وجود جزائريين يسلكون أيضاً الطريق المار عبر شمال المغرب قبل محاولة الوصول سباحة إلى سبتة. وتكتسي هذه الظاهرة أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحدود البرية بين الجزائر والمغرب مغلقة رسمياً منذ سنة 1994.
ويعتمد كثير من هؤلاء على بدلات الغوص والزعانف، وأحياناً على حافظات مقاومة للماء لحماية هواتفهم المحمولة، حتى يتمكنوا من البقاء على اتصال مع ذويهم لأطول وقت ممكن. غير أن قوة التيارات البحرية والإجهاد البدني يحولان هذه الرحلة القصيرة إلى مغامرة قد تنتهي بالموت.
مسارات الهجرة تتغير… ولا تختفي
وتؤكد قضية مصطفى وعمر وإسكندر أن سبتة لا تزال إحدى أكثر بؤر الهجرة حساسية في غرب المتوسط. فبرغم التراجع الملحوظ في تدفقات الهجرة غير النظامية القادمة من المغرب خلال السنوات الأخيرة، في سياق تحسن العلاقات بين مدريد والرباط وتعزيز التعاون بين البلدين في مجال مراقبة الحدود، فإن المدينة ما تزال تشهد محاولات متكررة للوصول إليها، خصوصاً سباحة. وقد أشارت صحيفة «إل كونفيدنسيال» (El Confidencial) مؤخراً إلى أن سبتة أصبحت الجبهة الوحيدة المرتبطة بالمغرب التي تواصل تسجيل ارتفاع في أعداد الوافدين غير النظاميين، خلافاً لبقية المسارات التي شهدت تراجعاً.
وفي تقريرها الأخير الصادر في 10 جويلية، أوضحت وكالة فرونتكس (Frontex) أن عمليات رصد محاولات العبور غير النظامي نحو الاتحاد الأوروبي تراجعت بنسبة 37 في المائة خلال النصف الأول من سنة 2026. لكنها لفتت في المقابل إلى أن طريق غرب البحر الأبيض المتوسط كان المسار الرئيسي الوحيد الذي سجل ارتفاعاً، بنسبة 17 في المائة، ويرجع ذلك أساساً إلى الانطلاقات من الجزائر.
وتشكل محاولات بعض الجزائريين الوصول إلى سبتة عبر شمال المغرب مثالاً على إعادة تشكل مسارات الهجرة غير النظامية، في ظل تكيف المهاجرين وشبكات التهريب مع إجراءات الرقابة على الحدود. أما بالنسبة لعائلات مصطفى وعمر وإسكندر، فإن هذه الأرقام والإحصاءات لا تغير شيئاً من واقعهم المؤلم. فما زال أملهم الوحيد معلقاً بخبر يضع حداً لأيام طويلة من الانتظار والقلق.
على طريق قصير… لكنه قاتل: اختفاء ثلاثة جزائريين أثناء محاولتهم السباحة نحو سبتة
يوجد ثلاثة جزائريين، هم مصطفى البالغ من العمر 32 عاماً، وعمر 42عاماً، واسكندر 20 عاماً،في عداد المفقودين منذ يوم الجمعة 17 جويلية، بعدما حاولوا الوصول سباحة إلى مدينة سبتة انطلاقاً من السواحل المغربية. وانقطعت آخر مكالمة استغاثة أجروها وهم في عرض البحر، في مأساة جديدة تعيد إلى الواجهة خط الهجرة نحو سبتة، الذي لا يزال، رغم تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا، أحد أكثر المسارات خطورة في غرب البحر الأبيض المتوسط.

Partager cet article

