وبحسب مصادر الصحيفة الفرنسية، فإن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تبنّى، خلال الاجتماع الوزاري الثاني بين روسيا ودول تحالف الساحل المنعقد في نيامي يوم 8 جويلية 2026، لهجة صريحة بعيدة عن المجاملات الدبلوماسية المعتادة مع الحلفاء. وأكد لافروف أمام نظرائه في التحالف أن الخيار العسكري البحت لن يحقق نتائج كافية ما لم تُبنَ جيوش وطنية محترفة فعلاً.
ونقلت “لوموند” عن مصدرها في مالي أن لافروف شدد خلال اللقاء على أن مالي بحاجة ماسّة إلى المصالحة مع الجزائر، في إشارة مبكرة إلى ما ستؤول إليه الأحداث بعد يومين فقط.
اتصال هاتفي غيّر المعادلة
وفعلاً، وفي 10 جويلية ، أي بعد 48 ساعة من تصريحات لافروف، بادر رئيس المجلس العسكري الحاكم في مالي الجنرال أسيمي غويتا بالاتصال هاتفياً بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تلاه بيان مشترك أعلن استئناف العلاقات بين البلدين.
وبحسب مصادر مطلعة استقتها الصحيفة الفرنسية، فإن لافروف كان أكثر حزماً في لقاءات ثنائية مغلقة، سواء مع الرئيس النيجري بصفته الرئيس الدوري للتحالف، أو مع قائد المجلس العسكري المالي، حيث أوضح أن الجيوش في دول الساحل ما تزال هشة بنيوياً وعاجزة عن حسم معركة الإرهاب بمفردها، وأن موسكو غير قادرة على سد هذا العجز وحدها.
شرط جزائري: العودة إلى اتفاق الجزائر
ووفق ما أوردته “لوموند”، اشترطت موسكو على باماكو تطبيع علاقاتها مع محيطها الإقليمي، وعلى رأسه الجزائر، مع التشديد على ضرورة العودة إلى تفعيل اتفاق السلم والمصالحة الموقّع في الجزائر عام 2015 برعاية أممية، محذرة من أنها قد تعيد النظر في التزامها في الساحل إن لم يتحقق ذلك.
وفي هذا السياق، رأى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3، توفيق بوقاعدة، أن اقتناع الجانب الروسي بأهمية العودة إلى الاتفاق، إن صحّ ما ورد، يعود إلى أن استمرار التدهور الأمني في مالي يرهق “الفيلق الإفريقي” الروسي المنتشر هناك، ويزيد من التكلفة المفروضة على وجوده في المنطقة.
خلفية الانتكاسات العسكرية
ويأتي هذا التحول بعد سلسلة نكسات عسكرية مني بها الجيش المالي والفيلق الروسي المساند له منذ الربيع الماضي، من بينها معارك على مشارف باماكو أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ورئيس المخابرات الماليين، إضافة إلى تجدد القتال هذا الشهر في مدن بالوسط والشمال والشمال الشرقي، وسقوط بعض المدن ومحاور حيوية مؤدية إلى تمبكتو بيد المعارضة المسلحة.
من جهة أخرى، لوحظ أن لافروف استخدم في كلمته الرسمية عبارات مدروسة تُحمّل الجيوش المحلية والتنظيمات الإقليمية كتحالف دول الساحل مسؤولية أكبر، في خطاب وُصف بأنه يخدم في آنٍ واحد الطرح “السيادي” الذي تتبناه المجالس العسكرية الحاكمة، وفي الوقت نفسه يمهّد لتكريس شروط روسية لاستمرار وجودها العسكري في المنطقة على المدى الطويل.
تداعيات على النفوذ الفرنسي
وبحسب تحريات “لوموند”، شكّلت هذه المصالحة ضربة إضافية للنفوذ الفرنسي المتراجع في المنطقة، إذ إن تقارب باماكو والجزائر يعزز في الوقت نفسه الحضور الجزائري إلى جانب الحضور الروسي، وهو ما يُنظر إليه في باريس كتقويض إضافي لموقع كانت تعتبره تقليدياً حيوياً بالنسبة لسياستها الأفريقية.


