في ظل التحولات التي يشهدها قطاع التربية الوطنية، يبرز ملف تسيير المدارس الابتدائية كأحد أبرز التحديات الهيكلية التي تتطلب معالجة عميقة ومسؤولة. إن الطرح المتعلق بتحويل ملكية المدارس الابتدائية من الجماعات المحلية إلى وزارة التربية الوطنية يمثل نقلة نوعية ذات أبعاد قانونية، مالية وتنظيمية، لا يمكن التعامل معها كإجراء تقني بسيط، بل كإصلاح شامل يستوجب مراجعة جذرية لمنظومة التسيير برمتها.
الإطار القانوني والإشكال المطروح
تنص التشريعات الحالية، لاسيما المادة 122 من قانون البلدية والولاية، على أن المدرسة الابتدائية ملك للبلدية، بينما تتكفل وزارة التربية الوطنية بالجانب البيداغوجي فقط. هذا الازدواج في الوصاية أفرز وضعية هجينة تتقاطع فيها المسؤوليات دون وضوح في الصلاحيات، مما انعكس سلباً على فعالية التسيير وجودة الخدمات.
من إيجابيات تسيير الجماعات المحلية :
- تعبئة موارد مالية معتبرة عبر صناديق الدعم (على غرار FCCL)
- ديناميكية في إنجاز مشاريع البناء، التوسعة والترميم
- قدرة نسبية على الاستجابة للاحتياجات المحلية
أما الاختلالات المسجلة، فيمكن أن نعدها في النقاط التالية:
- ضعف الشفافية في الصفقات والتموين
- احتكار السوق من طرف عدد محدود من الموردين
- غياب معايير موحدة لدفاتر الشروط
- تدني جودة الخدمات، خاصة في الإطعام المدرسي
- ضعف الرقابة التقنية والمحاسبية
- غياب تفعيل فعلي لآليات إثبات الخدمة المنجزة
- تنصل مديري المدارس من دورهم الرقابي نتيجة غياب الصلاحيات
ومقارنة مع مؤسسات التعليم المتوسط والثانوي، رغم تمتع مديري المتوسطات والثانويات بصفة الآمر بالصرف، إلا أن هذه المؤسسات تعاني من:
- مركزية مفرطة في اتخاذ القرار
- ضعف التمويل
- تأخر كبير في عمليات الترميم
- اهتراء البنية التحتية في العديد من الحالات
عن خيار تحويل الملكية
إن تحويل ملكية المدارس الابتدائية إلى وزارة التربية الوطنية، ليس حلاً في حد ذاته. وقد يؤدي إلى تعقيد أكبر في حال اعتماده دون إصلاحات مرافقة، ويشكل عبئاً مالياً وإدارياً ضخماً على الوزارة. وعليه، فإن أي توجه في هذا الإطار يجب أن يكون مشروطاً بـ:
- مراجعة شاملة للإطار القانوني
- مضاعفة ميزانية قطاع التربية
- إعادة هيكلة منظومة التسيير
مقترحات عملية للإصلاح
يمكن إصلاح الأوضاع السائدة على مستوى المدارس الابتدائية، باعتماد نموذج تسيير هجين (تشاركي), أي بالإبقاء على دور البلديات في البناء والصيانة. وتتكفل وزارة التربية بـالتسيير البيداغوجي والرقابة. في حين تسند الخدمات (الإطعام خاصة) لهيئة متخصصة
1- إنشاء ديوان وطني للخدمات المدرسية يتكفل بالإطعام المدرسي والخدمات المرتبطة به ويعمل بنظام لامركزي (فروع ولائية ومحلية). ومن شأن ذلك، أن : يضمن جودة التموين وشفافية الصفقات ورقابة فعالة.
2- إعادة تنظيم وظيفة الآمر بالصرف، من خلال دراسة الخيارات التالية:
أ. نظام المآمن المدرسية، ويتجسد هذا الخيار في ربط مجموعة من المدارس الابتدائية بمؤسسة مرجعية (متوسطة) يكون مديرها آمراً بالصرف، مع توفير طاقم إداري ومحاسبي مؤهل
ب. نموذج إداري إقليمي، وفي هذه الحالة، يكون مدير التربية آمراً بالصرف بمساعدة مفتشين ومستشارين على مستوى المقاطعات
3- إصلاح منظومة الصفقات والتموين، من إعداد دفتر شروط وطني موحد ورقمنة إجراءات الصفقات وضمان المنافسة النزيهة بين الموردين وفرض معايير جودة صارمة
4- تفعيل آليات الرقابة، بفرض إلزامية محاضر إثبات الخدمة المنجزة وتفعيل دور مجلس التنسيق والتشاور وإشراك ممثلي الأولياء في المتابعة
5- تأهيل الموارد البشرية بتكوين مديري المدارس في التسيير الاداري والمراقبة التقنية وتوفير أعوان مختصين في المحاسبة والتسيير
6- مراعاة خصوصية المدارس الصغيرة، حيث يتعين إيجاد صيغ تموين خاصة بالمؤسسات ذات العدد المحدود من التلاميذ وتحفيز الموردين عبر آليات دعم أو تجميع الطلب
الخلاصة
إن إصلاح تسيير المدارس الابتدائية لا يكمن في تغيير الجهة المالكة فقط، بل في بناء منظومة متكاملة تقوم على:
- وضوح المسؤوليات
- شفافية التسيير
- فعالية الرقابة
- وعدالة توزيع الموارد


