الغاز: تراجع المخزونات الأوروبية يعزز الموقع التفاوضي لسوناطراك

لا تزال احتياطيات الغاز في أوروبا عند مستويات منخفضة بشكل غير معتاد مع اقتراب فصل الشتاء، ما يثير مخاوف من عودة الضغوط على الأسعار. وبالنسبة إلى سوناطراك، لا تكمن الفرصة في تحقيق زيادة فورية في الإيرادات بقدر ما تتمثل في تعزيز موقعها خلال المفاوضات المقبلة مع زبائنها الأوروبيين، وهو ما يؤكد مجددًا الأهمية الاستراتيجية للجزائر في معادلة الأمن الطاقوي الأوروبي.

6 min de lecture
وفقًا لبيانات منظمة GIE (البنية التحتية للغاز في أوروبا)، لم تكن مرافق التخزين الأوروبية ممتلئة سوى بنحو 30% من طاقتها مع نهاية موسم التدفئة الأخير في ربيع عام 2026، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال ما يقارب عقدًا من الزمن.

قبل أقل من أربعة أشهر من بداية موسم التدفئة، يخوض الاتحاد الأوروبي سباقًا مع الزمن لإعادة ملء منشآت تخزين الغاز. ووفقًا لبيانات منظمة GIE (البنية التحتية للغاز في أوروبا) التي نقلتها صحيفة “إل بيريوديكو دي لا إنيرخيا” (El Periódico de la Energía )الإسبانية، لم تكن مرافق التخزين الأوروبية ممتلئة سوى بنحو 30% من طاقتها مع نهاية موسم التدفئة الأخير في ربيع عام 2026، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال ما يقارب عقدًا من الزمن.

وقد حذّر الرئيس التنفيذي لشركة «إيني» كلاوديو ديسكالزي من احتمال تدهور أوضاع الطاقة العالمية خلال المدى القصير، في ظل تراجع مخزونات النفط واشتداد المنافسة على إمدادات النفط والغاز، وفقاً لمقابلة أجراها مع صحيفة «إل سولي 24 أوري» الإيطالية.

وللوصول إلى الأهداف التي حددها الاتحاد الأوروبي، والمتمثلة في بلوغ نسبة ملء قدرها 80% بحلول الأول من سبتمبر و 90% بحلول الأول من نوفمبر، يتعين على الشركات ضخ كميات كبيرة من الغاز خلال الأشهر المقبلة، في سوق عالمية لا تزال تعاني من التوتر. ويغذي هذا الوضع المخاوف من ارتفاع جديد في أسعار الغاز مع اقتراب الشتاء، كما قد يعزز موقع الدول القادرة على ضمان إمدادات مستقرة إلى أوروبا، وفي مقدمتها الجزائر.

ومنذ اندلاع أزمة الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، نجح الاتحاد الأوروبي في تقليص اعتماده على الغاز الروسي، مع زيادة وارداته من الغاز الطبيعي المسال، خاصة من الولايات المتحدة، إضافة إلى قطر ومنتجين آخرين. غير أن أوروبا لا تزال عرضة للمنافسة مع الطلب الآسيوي على شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما قد يدعم الأسعار إذا اشتدت الضغوط في السوق العالمية.

وفي هذا السياق، تستعيد إمدادات الغاز عبر الأنابيب أهميتها الاستراتيجية. فبينما تبقى النرويج أكبر مزود للاتحاد الأوروبي، تحتفظ الجزائر بمكانة أساسية بفضل خطي “ميدغاز” الذي يربط بني صاف بإسبانيا مباشرة، و”ترانسميد” الذي ينقل الغاز إلى إيطاليا عبر تونس.


ارتفاع الأسعار… ولكن ليس مكاسب فورية


مع ذلك، فإن ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا لن ينعكس تلقائيًا بزيادة مماثلة في إيرادات سوناطراك. فالشركة الوطنية الجزائرية لا تعتمد، في معظم صادراتها، على السوق الفورية، بل تسوق الجزء الأكبر من غازها عبر عقود طويلة الأجل. وتضمن هذه العقود استقرار الكميات الموردة، كما تتضمن آليات دورية لمراجعة الأسعار، غالبًا ما تكون مرتبطة بتطورات الأسواق الأوروبية مع وجود فترات تأخير قد تمتد إلى عدة أشهر.

ولذلك، فإن استمرار ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تحسن تدريجي في إيرادات سوناطراك، لكن بوتيرة أقل مقارنة بالمنتجين الذين يعتمدون بدرجة أكبر على السوق الفورية. وفي المقابل، توفر هذه العقود حماية للشركة عندما تتراجع الأسعار.


سابقة عام 2022


برز هذا النموذج بوضوح خلال أزمة الطاقة في عام 2022. فمع الارتفاع الحاد في الأسعار عقب تراجع الإمدادات الروسية، دخلت سوناطراك في مفاوضات لمراجعة الأسعار مع عدد من كبار زبائنها الأوروبيين.

وكانت أبرز هذه الحالات مع شركة “ناتورجي” (Naturgy) الإسبانية، أكبر مستورد للغاز الجزائري في إسبانيا، حيث توصل الطرفان في خريف عام 2022 إلى اتفاق جديد لتعديل الأسعار في إطار البنود المنصوص عليها في العقد طويل الأجل. كما جرت مراجعات مماثلة مع شركتي إيني “ENI” الإيطالية و أنجي” Engi!e” الفرنسية. وكما أوضحت سوناطراك آنذاك، فإن هذه المراجعات لم تكن إجراءات استثنائية، بل جاءت في إطار البنود التعاقدية التي تسمح بتكييف الأسعار دوريًا مع تطورات السوق.

وتؤكد هذه السابقة أن القيمة الاستراتيجية لسوناطراك لا تكمن في الاستفادة الفورية من ارتفاع الأسعار، بقدر ما تتمثل في قدرتها على تحسين موقعها التفاوضي كلما أتاحت العقود مراجعة شروطها أو إعادة التفاوض بشأنها.


ورقة تفاوضية أقوى


ويؤكد استمرار انخفاض مستويات التخزين أن الاتحاد الأوروبي، رغم جهوده لتنويع مصادر الإمداد منذ عام 2022، لم ينجح بعد في تأمين احتياجاته بالكامل. فلا يزال الغاز الطبيعي المسال عنصرًا أساسيًا في مزيج الإمدادات الأوروبية، لكنه يبقى عرضة للتوترات الجيوسياسية، ولمنافسة الطلب الآسيوي وقيود السوق العالمية. وفي المقابل، يتمتع الغاز الجزائري بميزة مهمة تتمثل في وصوله عبر بنية تحتية قائمة بالفعل، ما يوفر إمدادات مستقرة وأكثر قابلية للتنبؤ مقارنة بشحنات الغاز الطبيعي المسال المنقولة بحرًا.

ومن ثم، فإن الرهان بالنسبة إلى سوناطراك خلال الأشهر المقبلة لا يتمثل على الأرجح في تحقيق قفزة كبيرة في الإيرادات، بل في تعزيز موقعها التفاوضي مع شركائها الأوروبيين. وإذا استمرت الضغوط في سوق الغاز وبقيت مستويات التخزين منخفضة، فقد تدخل الشركة جولات مراجعة العقود المقبلة من موقع أكثر قوة.

ويعكس ذلك تحولًا أوسع في النظرة الأوروبية إلى الغاز. فبعد أن كان يُعامل لسنوات بوصفه مجرد سلعة، أصبح اليوم جزءًا من معادلة الأمن الطاقوي. وفي هذا السياق، تبرز الجزائر أكثر من أي وقت مضى كشريك طويل الأمد، بفضل قربها الجغرافي والبنية التحتية التي تربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية.

ومع ذلك، تبقى تطورات السوق رهينة عدة عوامل، من بينها الأحوال الجوية خلال الشتاء المقبل، وسرعة إعادة ملء المخزونا الأوروبية، ومستوى الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المسال، فضلًا عن أي تطورات جيوسياسية قد تؤثر في الإمدادات. ورغم أن تطور الأسعار سيظل رهينًا بعوامل يصعب التنبؤ بها، فإن التجربة أظهرت أن فترات التوتر في سوق الغاز تعزز عادةً أهمية الموردين القادرين على توفير إمدادات مستقرة.

وفي هذا السياق، تبدو الجزائر، بفضل بنيتها التحتية وعقودها طويلة الأجل، في موقع يسمح لسوناطراك بخوض أي مفاوضات مستقبلية مع شركائها الأوروبيين من موقع أكثر قوة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق مكاسب مالية فورية.

Partager cet article