المغرب – إسبانيا: هل خرجت «رسالة الهجرة» في سبتة عن سيطرة صانعيها؟ (تحليل)

تعددت القراءات وتنوعت حول ما حدث في سبتة، غير أن نقطة واحدة تكررت باستمرار في شهادات الفاعلين والتحليلات: فقد بدت الأجهزة الأمنية المغربية، خلال الساعات الأولى من الأزمة، أقل تدخلاً مما اعتاده المتابعون في مثل هذه الحالات. فهل نكون أمام رسالة سياسية محدودة أرادت الرباط توجيهها إلى مدريد عبر ورقة الهجرة، قبل أن تتحول إلى موجة بشرية تجاوزت كل الحسابات تحت وطأة الأزمة الاجتماعية؟

7 min de lecture
حسب سلطات سبتة، لقي ما لا يقل عن 72 شخصاً مصرعهم، بينما تحدثت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن نحو 130 ضحية وعشرات المفقودين

لا توجد، حتى اليوم، أدلة علنية تسمح بالجزم بأن قراراً استراتيجياً من هذا النوع قد اتُّخذ بالفعل. غير أن تراكم المؤشرات، وسابقة أزمة 2021، وما نشرته وسائل إعلام إسبانية نقلاً عن مصادر أمنية، يجعل هذه الفرضية جديرة بالنقاش.

حزمة من القرائن


في التحليل الأمني والاستخباراتي، نادراً ما تُبنى القناعة على دليل واحد، بل على تراكم قرائن تتعزز أو تتراجع مع ظهور معطيات جديدة. شهادات الراغبين في العبور نحو “الحلم الأوروبي” عبر سبتة كثيرة إلى درجة يصعب تجاهلها. فهم لا يتحدثون عن تحريض مباشر للمخاطرة بأرواحهم، بل يصفون كيف اقتنصوا فرصة غذّتها الإشاعات والمعلومات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي. كما أن مشاهد عناصر الدرك والقوات المساعدة المغربية وهم يكتفون بالمراقبة يمكن أن تُقرأ، ليس باعتبارها دليلاً على دعم مباشر للعبور، وإنما بوصفها مؤشراً على جهاز وجد نفسه أمام تدفق بشري خرج سريعاً عن السيطرة.


تتعدد الأسباب التي قد تكون دفعت الرباط إلى تذكير مدريد بالقيمة الاستراتيجية للتعاون الأمني، خصوصاً أن الأحداث تزامنت مع عيد العرش. ففي العشرين من ر جويلية، زار بيدرو سانشيز الجزائر وأعلن استئناف آليات التعاون رفيعة المستوى بين البلدين، كما شهد البرلمان الإسباني تقدماً في مشروع، تدعمه حركة «سومار»، لتسهيل حصول الصحراويين على الجنسية الإسبانية. كل عنصر من هذه العناصر، بمفرده، لا يفسر ما جرى. لكن اجتماعها يرسم سياقاً سياسياً خاصاً. ومنذ سنوات، يضع الصحفي الإسباني المتخصص في شؤون المغرب ، إغناسيو سيمبريرو، أزمات سبتة ومليلية في إطار الخلاف الترابي المستمر بين الرباط ومدريد. كما لا يزال الخطاب الرسمي والإعلامي المغربي يصف المدينتين بأنهما «مدينتان محتلتان».


وانطلاقاً من هذا السياق، فإذا صح أن السلطات الأمنية خففت، ولو مؤقتاً، من مستوى تدخلها، فقد يكون الهدف توجيه رسالة إلى مدريد مفادها أن استقرار سبتة ومليلية يظل رهيناً بالتعاون الأمني المغربي.

سيناريو 2021… لكنه انفلت من أصحابه


النسخة السابقة حاضرة بقوة في الأذهان. ففي ماي 2021، تمكن نحو عشرة آلاف شخص من دخول سبتة خلال أيام قليلة، قبل أن يؤكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أن المغرب ليس «حارس حدود أوروبا». وقد تركت تلك الأزمة أثراً عميقاً في مدريد، قبل أن تنتهي بعد أشهر بالتحول التاريخي في الموقف الإسباني من قضية الصحراء الغربية. ومن منظور استراتيجي، كانت هناك عوامل عدة قد تشجع على إعادة إنتاج نسخة أكثر محدودية من ذلك السيناريو: رسالة ضغط موجهة إلى بيدرو سانشيز، تكون واضحة بما يكفي لإحداث أثر سياسي، لكنها تبقى قابلة للاحتواء.


غير أن الحسابات ربما اصطدمت هذه المرة بالواقع. فمثل كثير من الأنظمة شديدة المركزية، قد تكون الرباط بالغت في تقدير قدرة أجهزتها على ضبط حجم التدفقات، وفي المقابل قللت من عمق الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشه جزء واسع من الشباب. الهتافات التي وثقتها مقاطع الفيديو، وعلى رأسها «!Viva España»، لا تعكس، في المقام الأول، استجابة لتوجيه سياسي، بقدر ما تعكس رغبة جارفة في مغادرة البلاد. فإذا كان تدفق يقارب عشرة آلاف شخص قابلاً للإدارة سياسياً وأمنياً، فإن الحديث عن ستين ألفاً، يضاف إليهم آلاف آخرون تدفقوا نحو سبتة، يغيّر طبيعة الأزمة بالكامل.

عندما تتغلب الدينامية الاجتماعية على الحسابات السياسية


جاء خطاب الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش ليضيف مفارقة لافتة إلى المشهد. فقد ركز العاهل المغربي على مؤشرات الاقتصاد الكلي، من انتعاش السياحة إلى تطور صناعة السيارات والطيران، معتبراً أن هذه النتائج تبعث على «الارتياح والثقة والطمأنينة» وتحفز على مواصلة مسار التنمية. لكن، وفي التوقيت نفسه تقريباً، كانت آلاف الشبان تتجه نحو سبتة وهي تردد: «!Viva España». بين الصورتين تتجلى فجوة يصعب تجاهلها: فجوة بين المغرب الذي تعكسه المؤشرات الاقتصادية الرسمية، والمغرب الذي يعيشه جزء من شبابه.
وهنا تكمن، على الأرجح، أهم دلالات هذه الأزمة. فأي استراتيجية للضغط عبر ورقة الهجرة تفترض بالضرورة إمكانية التحكم في التدفقات. غير أن للهجرة منطقها الخاص؛ فهي تتغذى على شبكات التواصل الاجتماعي، والتصورات الجماعية، وقبل كل شيء، على تراكم الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية.


وعندما يعتقد جيل كامل أن مستقبله يوجد على الضفة الأخرى، ويرى أن نافذة صغيرة قد فُتحت أمامه، فإن الحسابات الدبلوماسية قد تتبدد أمام اندفاع جماعي يصعب احتواؤه. عندها لا تعود الرسالة السياسية موجهة إلى مدريد وحدها، بل يتردد صداها أولاً لدى عشرات الآلاف من الشباب الذين يرى كل منهم فيها فرصة العمر للرحيل.

رسالة إلى مدريد… تحولت إلى انتكاسة داخلية


التكلفة الإنسانية باهظة. فبحسب سلطات سبتة، لقي ما لا يقل عن 72 شخصاً مصرعهم، بينما تحدثت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن نحو 130 ضحية وعشرات المفقودين، مطالبة بفتح تحقيق مستقل. وإذا ما تأكدت يوماً فرضية “الرسالة السياسية المحدودة”، فإن المفارقة ستكون قاسية. فما كان يُراد له أن يكون تذكيراً لمدريد بأهمية الشراكة الأمنية مع المغرب، انتهى، بفعل الارتداد العكسي، إلى تقديم صورة للعالم عن شباب مستعد للمخاطرة بحياته من أجل مغادرة بلاده. لقد تحولت الرسالة الدبلوماسية، إن صح هذا التحليل، إلى كاشف لأزمة اجتماعية عميقة.

مدريد تخفض النبرة… والرباط تلتزم الصمت


وتذهب عدة وسائل إعلام إسبانية، استناداً إلى مصادر أمنية، إلى أن المحققين يحققون في وجود عناصر مرتبطة بالأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية المغربية وسط الحشود أو في محيطها، بهدف مراقبة مجريات الأحداث أو مواكبتها. وهذه المعطيات تغذي التساؤلات، لكنها لا ترقى، حتى الآن، إلى مستوى إثبات وجود عملية مخطط لها بكل تفاصيلها. وفي المقابل، امتنعت الحكومة الإسبانية عن توجيه اتهام مباشر إلى الرباط، مفضلة التشديد على جودة التعاون الثنائي، وهو ما يعكس، على الأرجح، استمرار تأثير صدمة 2021 في حسابات مدريد. أما اليمين الإسباني وبعض القوى الأوروبية، فقد سارع إلى استغلال الأزمة سياسياً ضد بيدرو سانشيز، بل وصل الأمر ببعض الأصوات إلى ترويج مزاعم ثبت عدم صحتها بشأن جنسيات المهاجرين. ويبقى الصمت الرسمي المغربي، هو الآخر، لافتاً.


إن فرضية وجود رسالة عبر ورقة الهجرة كان يُفترض أن تبقى تحت السيطرة قبل أن تجرفها الدينامية الاجتماعية ليست حقيقة مثبتة، لكنها تبدو اليوم واحدة من أكثر القراءات اتساقاً لفهم أزمة تجاوزت، في حجمها وتداعياتها، كل ما شهدته سبتة سنة 2021.


ولعل أهم درس خرجت به هذه الأزمة ليس دبلوماسياً بقدر ما هو اجتماعي. فالحدود قد تُفتح أو تُغلق بقرار سياسي، لكن عندما يتلقف المجتمع الرسالة ويحوّلها إلى حركة جماعية، تكف الحدود عن أن تكون مجرد أداة في السياسة الخارجية، وتتحول إلى مرآة لأزمة داخلية. وفي مجتمع بلغ فيه الاحتقان هذا المستوى، لا تعود الحدود مجرد مفتاح تشغيل وإيقاف.

Partager cet article