يُشكّل إعلان جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة عن فرض حصار شامل على باماكو يوم الثلاثاء 28 أبريل، منعطفاً حاسماً في مسار الأزمة المالية. تأتي هذه التهديدات بعد أربعة أيام من هجوم منسق مع المتمردين الانفصاليين في جبهة تحرير أزواد. ورغم محاولات المجلس العسكري طمأنة الرأي العام بأن الوضع تحت السيطرة، إلا أن سقوط بلدات استراتيجية في الشمال والضغط المتزايد على العاصمة يرسمان خارطة جيوسياسية جديدة، تظهر فيها بوضوح حدود تحالفات الالتفاف التي انتهجتها باماكو.
سلطة محاصرة بتحالف هجين
كشفت هجمات الخامس والعشرين من أبريل عن تنسيق غير مسبوق؛ فخلافاً لانكسارات عام 2012، يبدو أن جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام قد نجحا في تثبيت تحالفهما عبر توزيع براغماتي للأدوار: السيطرة الترابية على الشمال للانفصاليين، وزعزعة استقرار الوسط وخنق الجنوب للجهاديين. ومن خلال قبول نسخة مخففة من الشريعة في المناطق المحررة، آثرت جبهة تحرير أزواد الأولوية العسكرية على الهوية السياسية، محولةً الشمال إلى ملاذ آمن يستعصي على القوات المسلحة المالية.
السراب الروسي ونهاية دورة زمنية
باتَ وَهَنُ فيلق أفريقيا (Africa Corps) جلياً للعيان. فرغم الإسناد الجوي، لم تتمكن الوحدات الروسية من منع سقوط كيدال، وهي اليوم مجبرة على التراجع أو مواجهة الحصار. كما أن مقتل الجنرال ساديو كامارا، مهندس التقارب مع موسكو، تركَ المجلس العسكري يتيماً بلا بوصلة استراتيجية. وفي خطوة استفزازية، عرضت جماعة نصرة الإسلام ضمان أمن الجنود الروس مقابل انسحابهم، مما يجسد انقلاباً كاملاً في موازين القوى.
عودة الجزائر أو انتقام الجغرافيا
أمام تهاوي الاستراتيجية العسكرية المالية، تستعيدُ الجزائر دورها كلاعب محوري. تصطدم التوترات الأخيرة بين الجزائر وباماكو — والتي أججها تقارب المجلس العسكري مع المغرب — اليوم بالواقع المادي: تشترك الجزائر في حدود تمتد لـ 1300 كيلومتر، وتمتلك مفاتيح بشرية وأمنية لا تستطيع موسكو ولا الرباط تفعيلها. وقد رفضَ أحمد عطاف بشدة اتهامات دعم المتمردين، مذكراً بأن اتفاق الجزائر لعام 2015 يظل الإطار الوحيد القادر على الحفاظ على وحدة الأراضي المالية.
بالنسبة لباماكو، يبدو الاستنتاج قاسياً: الدعم الدبلوماسي المغربي لا يعوض غياب العمق الاستراتيجي في الشمال. أما حلفاء تحالف دول الساحل (AES)، فقد اقتصر دعمهم على تصريحات شكلية، بلا قدرات عسكرية أو مبادرات دبلوماسية، مما كشف التحالف ككتلة سياسية تفتقر للعمق الاستراتيجي، خاصة وأن الجزائر تنتهج مسار تهدئة وتعاون براغماتي مع النيجر وبوركينا فاسو.
تكتفي فرنسا اليوم، بعد إزاحتها من الساحل، بدعوة رعاياها لمغادرة مالي في أقرب وقت ممكن. هذا الانسحاب النهائي يختم دورة النفوذ الغربي ويترك باماكو في مواجهة تناقضاتها: دولة ممزقة، حليف روسي متعثر، وضرورة قصوى للعودة إلى دبلوماسية إقليمية براغماتية. تكتشفُ مالي اليوم، وبمرارة، أنه بمقدور المرء اختيار حلفائه السياسيين، لكنه لا يملك أبداً ترف اختيار جيرانه.
مأزق غويتا: بين البقاء والتسوية
يجدُ عاصيمي غويتا نفسه أمام معضلة وجودية. فبعد أن تمادى في خطاب معادٍ للجزائر يصعب التراجع عنه دون فقدان الهيبة، قد يضطرُ للبحث عن مخرج داخلي. وتبرز المصالحة مع معارضة سياسية ودينية ذات مصداقية، لا سيما شبكات محمود ديكو التي حافظت على قنوات اتصال مع الجزائر، كآخر قناة ممكنة للتفاوض على تهدئة دون الظهور بمظهر المستسلم أمام الجار الشمالي.
