تبييض أموال على نطاق واسع: بنك HSBC مُحال رسمياً إلى التحقيق، والجزائر في مرآة الفضيحة اللبنانية

وُضعت الشركة الفرعية السويسرية للعملاق المصرفي البريطاني، (HSBC Private Bank (Suisse) SA)، رسمياً قيد التحقيق من قبل القضاء الفرنسي بتهم تبييض أموال مشدد مرتبط بالاحتيال الضريبي وممارسة الاستقطاب المصرفي غير المشروع. ويأتي هذا التطور القضائي البارز عقب التحقيقات المعمقة حول نهب الأموال العامة اللبنانية، ليكسر نهائياً افتراض الإفلات من العقاب للمؤسسة المصرفية السويسرية. وهو قرار يتردد صداه عبر هذا الجانب من البحر الأبيض المتوسط، ويعيد إيقاظ شبح القسم الجزائري من نشاط البنك.

5 min de lecture
فرع السويسري للبنك البريطاني «إتش إس بي سي» تطاله فضيحة مصرف لبنان. وفي عام 2008، كُشف عن فضيحته الجزائرية من طرف موقع «مغرب إيمرجون». دون متابعة قضائية (صورة أرشيفية).

إنه زلزال بالنسبة للمركز المالي في جنيف. فبعد سنوات من التعقيدات التي فرضتها الإجراءات الدولية، أصبحت HSBC Private Bank (Suisse) SA اليوم محل تحقيق رسمي. وقد وجه قضاة التحقيق، بحسب ما كشفته صحيفة «لوموند»، في 6 ماي الماضي اتهامات ثقيلة تستهدف مباشرة آليات التواطؤ الفعّال للبنك في إخفاء أصول غير مشروعة. ويستند هذا التحقيق إلى أدلة مادية دامغة، خصوصاً تلك المرتبطة بنهب موارد مصرف لبنان من قبل حاكمه السابق رياض سلامة وشقيقه رجا. وقد تتبع القضاء مسار تحويل نحو 330 مليون دولار من الأموال المختلسة من المصرف المركزي اللبناني بين عامي 2002 و2015، والتي كانت تمر مباشرة إلى حسابات شركة Forry Associates، وهي شركة واجهة مسجلة في جزر العذراء البريطانية وموطنة بسرية لدى HSBC في جنيف.

تجاهل تحذيرات داخلية من قبل البنك

كما كشف التحقيق الجنائي عن انتهاك متعمد للتحذيرات الداخلية. فقد تم إصدار نحو عشرين تنبيهاً يتعلق بالامتثال بين عامي 2006 و2013 من قبل موظفي HSBC أنفسهم، لكن الإدارة العامة للبنك اختارت عمداً تجاهل هذه الإشارات التحذيرية من أجل الحفاظ على عمولات أعمال مرتفعة الربحية. وبالتوازي مع هذا التحقيق، فرضت الهيئة السويسرية للرقابة المالية (FINMA) عقوبات صارمة على المؤسسة، حيث وضعتها تحت وصاية رقابية ومنعتها رسمياً من فتح أي حسابات جديدة لصالح الأشخاص المعرضين سياسياً. وتحت الضغط، بدأت HSBC بإغلاق أكثر من ألف حساب لزبائن أثرياء من الشرق الأوسط. وإذا كان هذا التحقيق الرسمي يمثل بداية كشف واسع لملفات الشرق الأوسط، فإنه يقدم صدى واضحاً مع الماضي الجزائري للبنك.

لعبة HSBC المزدوجة في الجزائر

بالنسبة إلى الجزائر، فإن النشاط السري لـ HSBC الذي تم الكشف عنه خلال فضيحة “سويس ليكس” (SwissLeaks) في عام 2015 لا يزال يمثل مثالاً كلاسيكياً للجريمة المالية. فقد كشفت هذه التحقيقات الدولية الواسعة، التي نسقتها في الأصل صحيفة «لوموند» والاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، الوجه الخفي للنظام المصرفي السويسري. لكن بخلاف لبنان، حيث كانت حيازة الأصول في الخارج تتمتع بغموض قانوني، فإن الملف الجزائري كان منذ البداية يشكل انتهاكاً مباشراً وواضحاً للتشريع الوطني. فالأمر 03-11 المتعلق بالنقد والقرض يضع مبدأً صارماً في الجزائر يتمثل في الحظر الكامل على تحويل رؤوس الأموال أو إنشاء أصول مالية في الخارج انطلاقاً من الأنشطة المحلية، إلا بترخيص صريح ونادر من بنك الجزائر. ومع ذلك، أثبتت القوائم السرية التي كشفتها التحقيقات أن البنك السويسري تجاهل هذه القواعد، حيث احتضن نحو 670 مليون دولار تعود إلى حوالي 440 زبوناً جزائرياً أو مرتبطاً بالجزائر، موزعة على أكثر من 1140 حساباً سرياً.

تكمن المفارقة الكبرى في القصة الجزائرية في تناقض التوقيت والازدواجية في الصورة الرسمية. ففي الوقت الذي كان فيه فرع جنيف يجمع سراً هذه الملايين من الدولارات المستنزفة من الاقتصاد الوطني، كانت مجموعة HSBC تتفاوض لدخول السوق الجزائرية بشكل رسمي. ففي مايو 2007، منح مجلس النقد والقرض الموافقة على إنشاء HSBC الجزائر. ولإدارة هذه المؤسسة الجديدة المخصصة لخدمات التمويل والاستثمار، استعانت المجموعة بشخصية ذات مكانة في الساحة المالية الجزائرية، رشيد سكاك، المدير السابق للدين الخارجي في بنك الجزائر. وهكذا عُرضت شرعية رسمية من جهة، وسرية مصرفية سويسرية من جهة أخرى.

من وجوه التهرب المالي إلى دروس الحوكمة

وبفضل التحقيقات المفصلة التي نُشرت في ذلك الوقت، خصوصاً تلك التي أنجزها الصحافي إلياس حلاس

لصالح موقع «مغرب إيمرجنت»، سقطت الأقنعة عن هويات وملفات تهريب الأموال الجزائرية. فقد ظهرت أولاً أسماء من القطاع الخاص، مثل عائلة حمودي، المالكة لمجمع “بيمو” للصناعات الغذائية، والتي بلغ حسابها السويسري 10 ملايين دولار. وأظهرت مذكرات مصرفيي HSBC أن الزبون كان يستخدم آليات تسعير التحويلات لنقل العملات الصعبة إلى الخارج. كما شملت القوائم وسطاء الصفقات العمومية وشخصيات محورية في قضايا الفساد الكبرى آنذاك، من بينهم سيد أحمد عدو، الذي كان ملاحقاً قضائياً ومودعاً الحبس المؤقت في قضية الطريق السيار شرق–غرب. كما شملت شخصيات من النخب والرياضة، مثل بشير ولد زميرلي، شقيق رئيس نادي نصر حسين داي لكرة القدم، والذي كان يمتلك حساباً بقيمة 5.6 ملايين دولار.

إن إحالة بنك HSBC رسمياً إلى التحقيق من قبل القضاء الفرنسي في الملف اللبناني يثبت أن زمن العدالة الوطنية، حين تلاحق شبكات تهريب الأموال عابرة الحدود، قد يستغرق وقتاً طويلاً، لكنه ينتهي في النهاية إلى ملاحقة المؤسسات المتواطئة. وبالنسبة إلى الجزائر، التي تعمل على إصلاح نظامها المصرفي من أجل استيعاب الأموال غير الرسمية ورقمنة التدفقات الاقتصادية، فإن هذه التطورات القضائية تذكر بأن الأمن المالي للدول لا يعتمد فقط على صرامة القوانين المتعلقة بمراقبة الصرف، بل أيضاً على القدرة الميدانية على تدقيق ومراقبة ممارسات البنوك الدولية، التي أتقنت عبر السنوات إنشاء قنوات معقدة لتسريب رؤوس الأموال.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article