في ظل الضعف الناتج عن تورط الولايات المتحدة في النزاع مع إيران واقتصاد الحرب الواقع تحت الضغط، يجد الرئيس الأمريكي نفسه في موقف “المستجدي” أمام شي جين بينغ. لكن بكين لا تبدو ميالة لتقديم التنازلات؛ فأرقام المواجهة الاقتصادية العالمية تميل بشكل متزايد لصالح العملاق الآسيوي.
وصل دونالد ترامب يوم الأربعاء 13 مايو إلى بكين في زيارة رسمية تتركز على العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. ويرافق الرئيس الأمريكي وفد يضم نحو خمسة عشر من قادة الشركات الكبرى، من بينهم إيلون ماسك، وتيم كوك، وجينسن هوانغ، في وقت تسعى فيه واشنطن وبكين لتقليل التوترات التجارية المتراكمة في السنوات الأخيرة.
يبدو التباين صارخاً بين الضجيج الإعلامي الذي يثيره دونالد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالخط العريض، وبين الهدوء “الأولمبي” الذي يتمتع به شي جين بينغ. تستند وضعية “ركيزة الاستقرار العالمي” الجادة والقليلة الكلام التي يتبناها الرئيس الصيني الآن إلى أسس اقتصادية وصناعية متينة.
الفخ الإيراني
استنزف الهجوم الذي شُن ضد إيران بتأثير إسرائيلي موارد البنتاغون، مما أدى إلى نقص حاد في الذخائر وأجبر واشنطن على السحب من احتياطياتها الاستراتيجية. هذه التكلفة العسكرية تثقل كاهل الاقتصاد الأمريكي المنهك بالفعل، حيث لا تجني سوى شركات النفط الكبرى الأرباح. وبشكل عام، تشير جميع المؤشرات في الولايات المتحدة إلى التراجع مع تضخم في أسعار الطاقة يثقل كاهل المستهلك العادي؛ وهو تطور يعد نتيجة مباشرة للصراع الذي بدأه ترامب، والذي أدى إلى إغلاق مضيق هرمز.
وفي حين خصصت واشنطن نحو 955 مليار دولار لنفقات الدفاع لعام 2025 — وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف ميزانية الصين تقريباً — يبدو أن هذا الاستثمار الضخم أصبح عبئاً اليوم لأنه يستنزف رؤوس الأموال اللازمة للبحث والتطوير المدني والبنية التحتية. في المقابل، وبالرغم من احتفاظها بميزانية دفاع أقل بكثير، حصنت الصين نفسها ضد أزمة النفط بفضل استراتيجية تخزين طويلة الأمد، والعودة البراغماتية للفحم، وتقدمها المذهل في مجال الطاقة المتجددة. بالنسبة لشي جين بينغ، تعتبر هذه القمة استعراضاً للقوة الهادئة؛ بكين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، بل أصبحت ترشح نفسها لتكون “ترسانته التكنولوجية والصناعية”.
هيمنة صناعية ساحقة
تبلغ حصة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي الصيني 36.5%، مقابل 17.9% فقط في الولايات المتحدة. هذه القاعدة الصناعية الصلبة تسمح للصين بإنتاج المعدات اللازمة لدفاعها الخاص بكميات هائلة، فضلاً عن التقنيات الرئيسية للتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي، وهي المجالات التي تشهد تنافساً شرساً.
تسجل الصين سنوياً 1.8 مليون براءة اختراع، أي أكثر من ثلاثة أضعاف ونصف حجم براءات الاختراع الأمريكية (500,000). ورغم أن نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في الناتج المحلي الصيني (2.69%) لا تزال أقل من مثيلتها الأمريكية (3.44%)، إلا أن هذا التقدم الهائل في عدد البراءات يشير إلى قدرة فائقة على ترجمة البحوث الأساسية إلى تطبيقات عملية، لا سيما في التصنيع المتقدم وأشباه موصلات الذكاء الاصطناعي.
تآكل هيمنة “الملك دولار”
وراء معركة المصانع وبراءات الاختراع، تدور رحى حرب مالية خفية لكنها مدمرة للهيمنة الأمريكية، وهيتراجع مكانة الدولار. فبعد أن أصبحت الصين “الزبون الملك” لدول الخليج، بدأت تفرض عملتها تدريجياً في أسواق الطاقة العالمية. وفي مارس الماضي، تم تنفيذ 41% من مبيعات المملكة العربية السعودية للصين باليوان.
وهكذا، تبتعد الرياض تاريخياً عن نظام “البترودولار” لتنضم إلى أنظمة دفع بديلة مثل منصة “mBridge”. وتسمح هذه المنصة، القائمة على العملات الرقمية للبنوك المركزية، بالالتفاف على شبكة “سويفت” (SWIFT) التي يسيطر عليها الغرب. ومن خلال التحرر من العملة الخضراء في تجارة الخام، يحرم الكتلة “الصينية-العربية” واشنطن من سلاحها القسري المفضل — أي العقوبات المالية العابرة للحدود — كما يضعف الطلب الهيكلي على العملة الأمريكية، في الوقت الذي يتعين فيه على الولايات المتحدة تمويل ديون حربها الهائلة.
دبلوماسية المظهر مقابل استراتيجية المضمون
تحاول واشنطن إخفاء هذا الهشاشة الهيكلية خلف مسرحية العلاقة الشخصية بين الزعيمين. ترامب، محاطاً بإيلون ماسك (تسلا)، وتيم كوك (أبل) وغيرهم من أقطاب الصناعة الأمريكيين، في حاجة ماسة إلى تنازلات اقتصادية صينية — مثل مشتريات زراعية ضخمة والوصول إلى أسواق أشباه موصلات الذكاء الاصطناعي — لتهدئة ناخبيه وتنشيط اقتصاد يعاني.
ومع ذلك، يظل التناقض قائماً: واشنطن، التي صنفت الصين كمنافس نظامي رئيسي لها، تجد نفسها مضطرة لطلب مساعدتها لنزع فتيل الأزمة في الشرق الأوسط، التي تسببت فيها — كما يجب التذكير — غطرسة ترامب، الرئيس الأمريكي الوحيد الذي سمح لنتنياهو بجرّه إلى الحرب.
شي جين بينغ، بصفته المضيف الإمبراطوري، يمتلك مفاتيح الحل: يمكنه أن يمنح ترامب المظاهر الدبلوماسية و”الانتصارات” التجارية الفورية التي يعشقها، بينما يتفاوض في المقابل على تنازلات استراتيجية كبرى بشأن تايوان ويعزز قيادته التكنولوجية. في عام 2026، في بكين، يبدو أن النظام العالمي قد بدأ يتغير: لم تعد الصين هي التي تتكيف مع أمريكا، بل أمريكا هي التي تبدو وكأنها تحاول التكيف مع واقع القوة الإنتاجية والابتكارية والنقدية الصينية.


