حرائق الغابات… ماذا تعلّمت إسبانيا وما الذي يمكن أن تستفيد منه الجزائر

بينما تواجه إسبانيا صيفاً جديداً من الحرائق الكبرى، لم يعد النقاش يقتصر على تعزيز وسائل الإطفاء أو زيادة عدد الطائرات المخصّصة لمكافحة النيران، بل انتقل إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن إدارة الغابات حتى لا تتحول إلى وقود لحرائق خارجة عن السيطرة؟ وهو نقاش يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى الجزائر التي تواجه، بدورها، تحديات متزايدة بفعل تغير المناخ.

4 min de lecture
حريق غابات في سلسلة جبال سييرا دي ميخاس، في مقاطعة مالقة. وتسعى إسبانيا إلى إيجاد حلول مستدامة. (dr)

تشهد إسبانيا منذ بداية شهر جويلية سلسلة من الحرائق الواسعة التي التهمت عشرات الآلاف من الهكتارات، في ظل موجات حر غير مسبوقة وجفاف مستمر ورياح قوية ساهمت في انتشار النيران بسرعة كبيرة. واضطرت السلطات إلى إجلاء مئات السكان وإغلاق عدد من الطرق، بينما واصلت فرق الإطفاء مدعومة بالطائرات والمروحيات جهودها للسيطرة على الحرائق.

ويُعد حريق “لا ميرلا” في إقليم “غوادالاخارا” شمال شرق مدريد أكبر الحرائق المسجلة هذا الصيف، بعدما أتى على أكثر من 13 ألف هكتار، فيما شهد إقليم “أراغون” قبل أيام حريقاً آخر التهم نحو 15 ألف هكتار. أما حريق لوس غاياردوس في محافظة ألميريا جنوب البلاد، فقد خلف خسائر بشرية كبيرة، وأعاد إلى الواجهة النقاش حول قدرة إسبانيا على التكيف مع حرائق أصبحت أكثر شراسة بفعل التغير المناخي.

وتأتي هذه الحرائق بعد عام 2025 الذي وصفه خبراء البيئة بأنه من أسوأ الأعوام في تاريخ البلاد الحديث، بعدما احترق نحو 355 ألف هكتار وفق وزارة التحول البيئي الإسبانية، فيما تجاوزت تقديرات النظام الأوروبي (EFFIS) لمعلومات حرائق الغابات 380 ألف هكتار خلال ذروة الموسم.

من إطفاء الحرائق إلى إدارة الغابات

يرى خبراء الغابات في إسبانيا أن مواجهة الحرائق لم تعد تبدأ عند اندلاع النيران، بل قبل ذلك بسنوات. فسياسة الإخماد السريع التي اعتمدتها البلاد لعقود نجحت في الحد من كثير من الحرائق، لكنها سمحت في الوقت نفسه بتراكم كميات ضخمة من النباتات الجافة داخل الغابات، ما جعلها أكثر قابلية للاشتعال عندما ترتفع درجات الحرارة وتنخفض الرطوبة.

كما أدى النزوح الريفي منذ ستينيات القرن الماضي إلى تراجع الزراعة والرعي التقليديين، واختفاء المساحات الزراعية التي كانت تشكل حواجز طبيعية أمام امتداد النيران. وبدلاً من فسيفساء من الحقول والمراعي والغابات، أصبحت مساحات واسعة من الغابات متصلة ببعضها، وهو ما يسميه المختصون “استمرارية الوقود النباتي”.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت السلطات الإسبانية مراجعة هذه المقاربة. فلم يعد الهدف يقتصر على شراء مزيد من الطائرات أو تعزيز فرق الإطفاء، بل أصبح يشمل أيضاً إدارة الغابات نفسها عبر إزالة الكتلة النباتية الزائدة، وتنفيذ عمليات حرق موجه خلال الشتاء، وتشجيع الرعي التقليدي، وإعادة فتح بعض المساحات الزراعية داخل الكتل الغابية.

ووفق الهيئة الرسمية لمهندسي الغابات في إسبانيا وتقارير منظمة الصندوق العالمي للطبيعة بإسبانيا (WWF España)، ظل الجزء الأكبر من الموارد المالية موجهاً إلى عمليات الإطفاء خلال فصل الصيف، في حين بقيت الوقاية وإدارة الغابات تحصلان على حصة محدودة من التمويل. ولذلك يدعو الخبراء اليوم إلى إعادة التوازن بين الإنفاق على مكافحة الحرائق والاستثمار في الوقاية.

نقاش يهم الجزائر

ورغم اختلاف الظروف بين البلدين، فإن الجزائر تشترك مع إسبانيا في كثير من الخصائص المناخية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تؤدي موجات الحر والجفاف المتكررة إلى ارتفاع خطر اندلاع الحرائق. وفي الجزائر، يتركز النقاش عادة بعد كل موسم حرائق على أسباب اندلاع النيران، سواء كانت بفعل الإهمال أو الأفعال الإجرامية، وعلى قدرات الحماية المدنية في التدخل السريع. غير أن التجربة الإسبانية تطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: هل يكفي تطوير وسائل الإطفاء إذا بقيت الغابات نفسها أكثر قابلية للاشتعال عاماً بعد عام؟

ويؤكد المختصون في إسبانيا أن الوقاية تبدأ من إدارة الغابة نفسها، عبر صيانة الأحراش، وتقليل الكتلة النباتية القابلة للاحتراق، وإعادة دمج الأنشطة الزراعية والرعوية في المناطق الغابية، بما يحد من انتشار النيران عند اندلاعها. وبالنسبة إلى الجزائر، التي تواجه هي الأخرى مواسم حرائق متكررة في منطقة القبائل والأوراس والأطلس البليدي والطارف وجيجل وتلمسان، فإن هذا النقاش يكتسب أهمية متزايدة في ظل تسارع تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.

ولعل أبرز ما تكشفه التجربة الإسبانية هو أن مكافحة حرائق الغابات لم تعد مسؤولية رجال الإطفاء وحدهم، بل أصبحت سياسة متكاملة لإدارة المجال الغابي، يشارك فيها المهندسون والغابيون والمزارعون والرعاة والسلطات المحلية، بهدف الحد من مخاطر الحرائق قبل اندلاعها، وليس فقط بعد وصول ألسنة اللهب.


Partager cet article