عمر برقوق: وراء الاتفاقيات الجزائرية-الألمانية الـ31 في برلين… الاختبار الحقيقي يبدأ مع التنفيذ

رغم أن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا انتهت بتوقيع 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم، فإن القيمة الفعلية لهذه الحزمة من الاتفاقات لن تُقاس بعدد الوثائق الموقعة، بل بقدرتها على التحول إلى مشاريع واستثمارات حقيقية. هذا ما خلص إليه الاقتصادي والمستشار المستقل عمر برقوق في مذكرة تحليلية اطّلعت عليها مغرب إيميرجون، دعا فيها إلى التمييز بين العقود الملزمة قانونياً ومذكرات التفاهم التي تعبر، في معظمها، عن نوايا للتعاون أكثر منها التزامات تنفيذية.

4 min de lecture
عمر برقوق: وراء الاتفاقيات الجزائرية-الألمانية الـ31 في برلين… يبقى التنفيذ هو المعيار الحقيقي للحكم على نتائج أي دبلوماسية اقتصادية.
Ajoutez Maghreb Émergent sur Google pour trouver du contenu similaire

يرى عمر برقوق أن الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا يومي 15 و16 جويلية، والتي شهدت لقاءيه بالرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير (Frank-Walter Steinmeier) والمستشار فريدريش ميرتس (Friedrich Merz)، تعكس توجهاً مشتركاً للارتقاء بالعلاقات الجزائرية-الألمانية إلى مستوى شراكة تقوم على التنمية المشتركة.فإلى جانب توقيع 31 اتفاقية ومذكرة تفاهم، تأتي هذه الزيارة في ظل مبادلات تجارية تقارب خمسة مليارات يورو، بينما تنشط أكثر من خمسين شركة ألمانية في الجزائر.


ويرى برقوق أن برلين لم تعد تنظر إلى الجزائر باعتبارها مجرد مزود للغاز الطبيعي أو سوقاً للصادرات الألمانية، بل كشريك صناعي قادر على الاندماج في سلاسل القيمة الجديدة، سواء في الصناعات التجهيزية أو الدوائية أو النقل أو التكنولوجيات المرتبطة بالتحول الطاقوي.


الغاز… الحصيلة الأكثر وضوحاً


وبحسب المذكرة، يبقى قطاع الطاقة الأكثر تقدماً بين مختلف الاتفاقات المعلنة. فالعقد الموقع بين سوناطراك (Sonatrach) والشركة الألمانية في إن جي (VNG) ينص على تعزيز إمدادات الغاز الطبيعي إلى ألمانيا ابتداءً من الأول من جانفي 2027، وهو امتداد لشراكة بدأت سنة 2024، وتُوجت بوصول أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال الجزائري إلى محطة فيلهلمسهافن (Wilhelmshaven) في الثاني من جويلية 2026. ويرى برقوق أن هذا الاتفاق يمثل النتيجة العملية الأبرز للزيارة، خاصة في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر تموينها بالطاقة. كما يشير إلى أن التعاون بين الطرفين لم يعد يقتصر على الغاز الطبيعي، بل يشمل أيضاً خفض انبعاثات الميثان، إلى جانب مشاريع مشتركة في مجال الهيدروجين الأخضر، من بينها تحالف الهيدروجين من الجزائر إلى أوروبا (ALTEH2A) وممر الهيدروجين الجنوبي (SoutH2 Corridor).


الصناعة… طموحات كبيرة وعقود محدودة


غير أن المذكرة تتوقف عند نقطة تعتبرها أساسية، وهي أن الجزء الأكبر من الاتفاقات الصناعية لا يزال في مرحلة إبداء النوايا. فالقائمة تضم شركات ألمانية كبرى، على غرار سيمنس موبيليتي (Siemens Mobility) في النقل السككي، وبوش (Bosch) في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي، وبوهرينغر إنغلهايم (Boehringer Ingelheim) بالشراكة مع صيدال (Saidal) في الصناعات الدوائية، إضافة إلى أوبل (Opel) في قطاع السيارات.


ويؤكد عمر برقوق أن “غالبية الوثائق الموقعة هي مذكرات تفاهم، أي إعلانات نوايا لا ترتب التزامات تعاقدية ملزمة.” ووفقاً للتقديرات الواردة في المذكرة، فإن العقود الملزمة لا تمثل سوى ما بين 25 و30 في المائة من إجمالي الاتفاقات. كما أن معظم المشاريع الصناعية المعلنة لم تُرفق بقيم استثمارية معلنة أو بجداول زمنية واضحة للتنفيذ، ما يجعل تقييم أثرها الاقتصادي الفعلي سابقاً لأوانه.


من التوقيع إلى الاستثمار


وتخلص المذكرة إلى أن نجاح الزيارة سيعتمد على قدرة الجزائر على تحويل مذكرات التفاهم إلى استثمارات منتجة. ولهذا يدعو برقوق إلى تعزيز جاذبية مناخ الاستثمار، من خلال توفير رؤية أوضح بشأن نظام الصرف، وضمانات تحويل الأرباح، وتسهيل الحصول على العقار الصناعي. كما يقترح إنشاء آلية عمومية لمتابعة تنفيذ الاتفاقات بشكل دوري، بما يسمح بقياس مدى انتقالها من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة الإنجاز الاقتصادي.


ويضيف أن مشاريع نقل التكنولوجيا، سواء في الصناعات الدوائية أو البطاريات أو النقل السككي أو الهيدروجين الأخضر، ستتطلب تطوير الإطار التنظيمي حتى تتمكن من تحقيق أهدافها. ويخلص عمر برقوق إلى أن زيارة برلين تمثل خطوة نحو إعادة صياغة الشراكة الجزائرية-الألمانية على أسس صناعية وتكنولوجية أوسع، غير أن نجاحها لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى تحولها، خلال الأشهر والسنوات المقبلة، إلى مصانع قائمة، واستثمارات فعلية، ومناصب شغل، وشراكات إنتاج مستدامة. وفي النهاية، يبقى التنفيذ هو المعيار الحقيقي للحكم على نتائج أي دبلوماسية اقتصادية.

Partager cet article