ثم ظهر رياض محرز. انطلاقة من حسام عوار، ركضة في عمق منطقة الجزاء، تمريرة موزونة، وإذا بالكرة تستقر في الشباك النمساوية (3-2). في الجهة المقابلة، صدمة مطلقة: في غضون ثلاث ثوانٍ فقط، وجدت النمسا نفسها خارج كأس العالم. على دكة البدلاء الجزائرية، انفجر الجميع فرحًا بصورة عفوية، لتتحول الوجوه سريعًا إلى علامات حيرة وارتباك. أربع نقاط وفوز ثمين في دور المجموعات يلوح في الأفق، ومع ذلك لا أحد يحتفل حقًا.
السبب بسيط: هذا الهدف غيّر كل شيء. التعادل 2-2 كان يمنح الجزائر المركز الثالث والنمسا المركز الثاني، خلف الأرجنتين التي ضمنت صدارة المجموعة. لكن هدف محرز انتزع المركز الثاني من النمسا، ليرمي بالجزائر أمام إسبانيا، بطلة أوروبا، في دور الـ16، بدلًا من سويسرا التي تبدو، نظريًا على الأقل، خصمًا أكثر قابلية للمواجهة. لم تكن هذه بالتأكيد الهدية التي يتمناها «الخضر».
ما الذي دهى رياض محرز؟
فما الذي دفع رياض محرز إلى ذلك؟ للإجابة، لا بد من الدخول إلى عقل رجل سجل هدفًا، وهو يحاول الآن التكفير عن مستوياته الباهتة في هذه النسخة من كأس العالم. وهنا تتداخل ثلاث فرضيات.
الفرضية الأولى، وهي الأكثر شاعرية، تعود إلى ثأر خيخون. ففي مونديال 1982، لعبت النمسا وألمانيا الغربية مباراة تواطؤ شهيرة أقصت الجزائر. فهل أراد محرز، ابن جيل تربى على هذه الرواية المؤسسة، أن يطوي هذه الجراح التاريخية، بوعي أو من دونه، معلنًا قيام القيامة على النمساويين؟
أما الفرضية الثانية، فهي الأكثر واقعية وتتعلق بغريزة المنافس. فمهاجم بهذا المستوى، قضى عقدًا كاملًا بين كبار الكرة الأوروبية، هو قاتل بالفطرة أمام المرمى؛ فلا يمكنه أن يتنصل من غريزته ويختار عدم التسجيل عندما تلوح له الشباك. الجسد هنا يتحرك قبل الحسابات. والاحتفال المحتشم الذي تلا الهدف لم يعكس ندمًا، بل إدراكًا خاطفًا لما يحدث. محرز تصرف كلاعب كرة، لا كخبير حسابات.
أما الفرضية الثالثة، فتقول إن قائد المنتخب الجزائري أراد أن يمنح إيران، المتصدرة لقائمة أفضل المنتخبات صاحبة المركز الثالث، بطاقة تاريخية بإقصاء النمسا. لكنها تبقى أقرب إلى إعادة بناء سردية متأخرة للأحداث منها إلى تفسير واقعي. إنها فرضية نبيلة، لكنها ربما لا تصمد كدافع واعٍ داخل لحظة مشتعلة كهذه.
ما الذي يبقى من هذه المباراة؟
لكن القدر كتب مسارًا آخر. النمسا أدركت التعادل (3-3) في آخر لقطة من المباراة، فحرمت إيران من إنجاز تاريخي، وأعادت الجزائر إلى المركز الثالث في المجموعة. ومع ذلك، أنتج هذا السيناريو الجنوني أثرًا غير متوقع: لقد أنهى تمامًا كل حديث عن مباراة متواطأ عليها.
الدقائق الأخيرة، بما حملته من تمريرات جانبية متكررة وغياب شبه كامل للتسديدات، أعادت إلى الأذهان، لدى الجماهير الإيرانية، شبح خيخون: الإحباط نفسه، والشعور ذاته بالعجز أمام منتخبين تتقاطع مصالحهما. لكن هدف محرز نسف هذه القراءة من جذورها. الجزائر حاولت حتى اللحظة الأخيرة أن تنتصر، خارج الحسابات والعواقب. وهذا هو المشهد الذي يبقى: تلك اللمسة الغريزية، غير المحسوبة، وربما اللاواعية في عظمتها، التي ستظل علامة هذه الليلة التاريخية في كانساس سيتي.


