وترأس أول أمس الأربعاء ، الوزير الأول سيفي غريب، اجتماعًا عبر تقنية التحاضر المرئي مع الولاة خُصص للتحضير للدخول الاجتماعي 2026-2027، بدل الشروع في مسار تقديم استقالة حكومته تمهيدًا لتشكيلة وزارية جديدة، حضره كل من وزير الداخلية والنقل ووزير التربية الوطنية ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق.
وتناول الاجتماع ملفات حساسة ذات بعد اجتماعي مباشر، أبرزها ضمان تموين منتظم للسوق الوطنية بالمواد واسعة الاستهلاك، ومتابعة وتيرة إنجاز الهياكل البيداغوجية والمنشآت الأساسية، إضافة إلى توجيه خاص بتقييم احتياجات التكفل المدرسي بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وإطلاق حملة وطنية للكشف المبكر عن أعراض التوحد عبر المؤسسات التربوية، وصولًا إلى فتح أقسام خاصة جديدة في مختلف الأطوار التعليمية. كما شملت التعليمات متابعة جاهزية النقل المدرسي والجامعي، وتوفير الكتب والأدوات المدرسية بأسعار معقولة.
ماذا يقول العرف السياسي؟
أعلنت المحكمة الدستورية النتائج النهائية والرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من جويلية 2026، مؤكدة عدم تسجيل تغيير جوهري في موازين القوى مقارنة بالنتائج الأولية. وأفرزت هذه الانتخابات تصدر “جبهة التحرير الوطني” بـ91 مقعدًا، تلاها “التجمع الوطني الديمقراطي” بـ74 مقعدًا، ثم “جبهة المستقبل” بـ56 مقعدًا، فيما حصدت أحزاب الموالاة مجتمعة نحو 277 مقعدًا من أصل 407، وهو ما يبقي، وفق المادة 103 من دستور 2020، على صيغة “الوزير الأول” الذي يقود حكومة الأغلبية الرئاسية، بدل “رئيس الحكومة” الذي يفترضه سيناريو الأغلبية البرلمانية المعارضة.
ومنذ إعلان هذه النتائج، تتالت التحليلات والتكهنات حول اقتراب تعديل حكومي، استنادًا إلى ما جرت عليه العادة في تجارب سابقة، وعلى رأسها ما حدث عقب تشريعيات 2021، حين تلا إعلان النتائج تشكيل حكومة جديدة. غير أن مختصين في القانون الدستوري اختلفوا حول الطبيعة الملزمة لهذا المسار؛ إذ يرى بعضهم أن استقالة الحكومة القائمة وتشكيل فريق جديد “مسألة عرف سياسي” غير منصوص عليها صراحة، بينما ذهب آخرون إلى اعتبارها التزامًا دستوريًا مرتبطًا بضرورة عرض الحكومة الجديدة لبرنامجها أمام البرلمان المنتخب حديثًا.
غياب مؤشرات الاستقالة والحكومة تنشغل بالدخول الاجتماعي
في ظل هذا الترقب الذي استمر لأسابيع دون صدور أي إشارة رسمية عن تقديم الوزير الأول استقالته أو عن تكليف رئاسي بتشكيل حكومة جديدة، جاء بيان مصالح الوزير الأول ليؤكد استمرار الحكومة الحالية في ممارسة مهامها الاعتيادية بكامل صلاحياتها. فقد ترأس السيد سيفي غريب، عملاً بتوجيهات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، اجتماعًا مع الولاة بحضور وزراء الداخلية والجماعات المحلية والنقل، والتربية الوطنية، والتجارة الداخلية وضبط السوق، خُصص لتقييم الوضعية العامة للبلاد والاستعداد للدخول الاجتماعي 2026-2027.
استمرارية أم تأجيل للتعديل ؟
يفتح هذا المسار الباب أمام تساؤل مركزي، هل يعني استمرار الوزير الأول في تسيير الشأن الحكومي اليومي، وانشغاله بملفات هيكلية كالدخول الاجتماعي، أن ثقة رئاسة الجمهورية في الطاقم الحكومي الحالي قد تجددت ضمنيًا، أم أن الأمر لا يعدو كونه تأجيلًا مؤقتًا لتعديل حكومي لا يزال واردًا في أي لحظة؟
بحسب متابعات إعلامية جزائرية، رجّح محللون سياسيون واجتماعيون احتمال إبقاء الرئيس تبون على سيفي غريب على رأس الحكومة المقبلة، لاعتبارات عدة، من بينها التوافق القائم بينه وبين رئاسة الجمهورية ومعالجته الملفات بشكل موضوعي، في وقت يتوقع فيه مراقبون أن يتصدر الملف الاجتماعي، وعلى رأسه الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، أولويات الحكومة المقبلة أيًا كانت تشكيلتها. في حين ذهب أخرون إلى تعطل تعيين وزير الداخلية الحالي سعيد سعيود لقيادة تشكيل الحكومة. كما لوحظ أن أغلب أعضاء الحكومة الحالية فضّلوا خلال العطلة الصيفية تأجيل إجازاتهم أو تقليصها، وسط تكهنات إعلامية باقتراب تعديل حكومي، دون أن يترجم ذلك حتى تاريخ نشر هذا المقال إلى أي قرار رسمي.
وإلى حين صدور أي إعلان رسمي من الرئاسة بخصوص مصير الحكومة الحالية، يبقى استمرار الوزير الأول في قيادة ملفات استراتيجية كالدخول الاجتماعي مؤشرًا يُقرأ من زاويتين متقابلتين، إما بوصفه تجديدًا فعليًا للثقة في الفريق الحكومي القائم، أو مجرد استمرارية تسييرية ريثما تُحسم الرئاسة خيارها النهائي بشأن التشكيلة الوزارية المقبلة.


