يتمثل الدرس السياسي الرئيسي للانتخابات البلدية الفرنسية في «التداخل» الذي أصبح مقبولاً الآن على نطاق واسع بين جزء كبير من اليمين وحزب التجمع الوطني (اليمين المتطرف) بقيادة لوبان وبارديلا. إن حصن «الجبهة الجمهورية» الذي منع مرشح اليمين المتطرف في ثلاث مناسبات (2002، 2017، 2022) من الوصول إلى الإليزيه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، لن يجدي نفعاً مع اليمين في عام 2027، والمعطيات التاريخية ستتغير بشكل جذري. ورغم أن هذا السيناريو ليس حتمياً، إلا أن الجزائر يبدو أنها بدأت تتعامل معه كأمر واقع، حيث لم تُظهر أي ملامح لاستراتيجية تهدف إلى عرقلته.
لطالما اهتمت الجزائر بنتائج الانتخابات المفصلية في فرنسا وكان لها تفضيلاتها، دون أن تنجر أبداً إلى التدخل السافر، أو التلاعب الرقمي (على غرار روسيا بوتين)، أو الرشوة المباشرة (على غرار ليبيا القذافي). وقد فضلت الجزائر دائماً استخدام «القوة الناعمة» المرتبطة بجاليتها ومكانتها كشريك اقتصادي مهم لفرنسا. وفي حالة عام 2027، يبدو الخيار بديهياً، إلا إذا اعتبرت الجزائر أنه مع نهاية ولاية ماكرون والحقبة الطويلة لـ روتايو في وزارة الداخلية، فإن الفارق مع حكم مستقبلي لليمين المتطرف لن يكون كبيراً بما يكفي لتبرير المراهنة على هزيمته في الربيع المقبل.
«سيناريو ميلوني»: هل يمكن قيام شهر عسل براغماتي؟
إن السابقة التي قد تخفف من وطأة صعود رئيس من اليمين المتطرف في فرنسا هي بالطبع التحول في العلاقات الجزائرية الإيطالية. فمنذ وصولها إلى السلطة، تمكنت جورجيا ميلوني، المنحدرة من اليمين المتطرف، من بناء علاقة مع الجزائر تتسم باستقرار نموذجي، قائمة بشكل أساسي على «خطة ماتي» وتعزيز التعاون الطاقوي. والسؤال المطروح هو: هل يمكن تعميم هذا النموذج على جوردان بارديلا؟
بالنسبة للجزائر، فإن التعامل مع مخاطب «سيادي»، أقل ميلاً لإعطاء دروس في الأخلاق حول الحريات الداخلية ومركّز على مصالح نفعية واضحة (الغاز مقابل عدم التدخل) قد يكون أقل تعقيداً من سياسة «في الوقت نفسه» الماكرونية، بما تحمله من مفاجآت دبلوماسية والتفافات سياسية. ومع ذلك، فإن إيطاليا لا تملك عبء الإرث الاستعماري الفرنسي، كما أن اليمين المتطرف جعل من التعامل الصارم مع الجزائر شعاراً انتخابياً قوياً، رغم كونه يواجه منافسة شرسة في هذا الميدان من قِبل القيود التي فرضتها حقبة روتايو. بالنسبة للتجمع الوطني، يمثل هذا الموقف علامة هويتية غير قابلة للتفاوض، وهو ما لا ينطبق على حزب ميلوني.
خطر «لحظة ترامب» على محور باريس-الجزائر
وعلى العكس من ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو تدهور مفاجئ. فقد يؤدي وصول التجمع الوطني إلى الإليزيه إلى «صدمة نظامية» يبدو أن صناع القرار في الجزائر يقللون من شأنها أحياناً، على غرار عدم التنبؤ بعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فإذا شرع بارديلا، اعتباراً من صيف 2027، في إلغاء اتفاقية 1968 من جانب واحد أو الانحياز التام للأطروحات المغربية بشأن الصحراء الغربية، فإن رد فعل الجزائر سيكون حاداً حتمياً. وبين استدعاء جديد للسفير وتجميد غير مسبوق لعقود الغاز، قد تدخل العلاقة منطقة اضطرابات تفوق في خطورتها كل ما سبق. هذا «القفز في المجهول» الدبلوماسي قد يحطم آخر قنوات التعاون الأمني في البحر المتوسط ومنطقة الساحل، محولاً الشك التاريخي إلى عداء معلن.
التصويت المجتمعي: الحصن الأخير بلا مهندس؟
ورغم استطلاعات الرأي التي تضع بارديلا كمرشح أوفر حظاً، تظل نتيجة 2027 رهينة متغير متقلب: وهو التعبئة. فلا يمكن استبعاد هزيمة جديدة لليمين المتطرف إذا تحرك خزان الممتنعين عن التصويت. وكما حدث في يونيو 2024، أثبت «التصويت المجتمعي» للفرنسيين من أصول مغاربية قدرته على عرقلة التجمع الوطني آلياً في الدوائر الانتخابية الرئيسية.
ولكن، هل يمكن للجزائر حقاً أن تراهن على هذه الصحوة دون المساهمة سياسياً في حدوثها؟ من خلال البقاء في وضعية المراقب المحايد، تراهن السلطة الجزائرية رهاناً مخاطراً بالاعتماد فقط على «غريزة البقاء» المدنية للجالية في فرنسا. وقد يتبين أن هذا الحصن أضعف من أن يغلق أبواب الإليزيه، هذه المرة، أمام تيار سياسي مراجعي بوضوح في المسائل التاريخية ومنتقم علانية.

