تدريس الفلسفة : تعزيز الأمن الفكري للشباب الجزائري وتحصينهم من التعصب والانحراف(مساهمة)

تُعتبر الفلسفة ام العلوم وأقدمها وأكثرها تأثيراً في تشكيل الوعي الفردي والمجتمعي. وبالتالي ادراجها كمادة أساسية في مناهج التعليم خاصة مرحلة التعليم الثانوي والتي تتزامن ومرحلة المراهقة اين يكون المتعلم كما بدا ينضح تفكيره في إدراك المعاني والمجردات والقيم.

16 min de lecture
وفد وزاري داخل قسم للبدء في مشروع تربوي 2025

الفلسفة كمادة تربوية و ضرورية أصبحت موضوع مثيرا للجدل بين تيارات مؤيدة وأخرى معارضة وكل يستند الى مبرراته الفكرية، وتوجهاتهم الأيديولوجية بل يستند البعض إلى مبررات دينية مبنية على مخاوف لها علاقة بالاعتقاد ومبدأ التسليم والايمان وغيرها.

حيث يراها البعض ترفاً فكرياً يناسب فقط الشعب الأدبية، وفي الجهة المقابلة يراها البعض الاخر مهمة ومفيدة لكل المتعلمين مهما كانت تخصصاتهم سواء كانت أدبية او علمية، لأنها مادة تعمل على تنشيط العقل وتدريبه على التأمل والنظر والتساؤل والتفكير بطرق موضوعية ومتوازنة لمحاولة الفهم المعمق والصحيح للظواهر الحياتية وقضية الوجود الطبيعي والإنساني. كما ينص على ذلك القرآن الكريم في الكثير من الآيات التي تحث الانسان المسلم على التأمل والتفكير مثل في قوله تعالى: آية التفكر في خلق الكون ونظامه في سورة الغاشية (الآيات17-20) :(أفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)
سورة الغاشية، آية: 17-20 وفي قوله تعالى في آية التفكير في النفس: (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) سورة الذاريات، آية: 21 وغيرها من الآيات الكثيرة.

وفي هذا المقال، سنعالج أهمية تدريس مادة الفلسفة لتلاميذ التعليم الثانوي في مختلف الشعب، مبينين اهم المهارات العقلية والقيم التي ستنميها في المتعلمين بشكل تدريجي من المستوى البسيط الى المستوى المعقد او الابتكاري والإبداعي لنكتشف ان التفكير الفلسفي يلعب دورا استراتيجيات في تطوير الطاقات اللامتناهية لدى المتعلم ونقصد به الذكاء والقدرة على الابتكار والابداع ومن أهمها ما يأتي:

أولاً: تنمية روح التأمل والتساؤل حول قضايا الظواهر الطبيعية والإنسانية والحياتية

    إن أول وأهم مهارة تنميها مادة الفلسفة لدى المتعلمين تتمثل في: تحفيز المتعلم على التأمل والحيرة، حيث كثيراً ما تدفعه إلى التساؤل عن ماهية الأشياء، وطبيعتها، وعواملها، وأسبابها، وأعراضها، وغاياتها. بحيث تجعله لا يقبل التسليم العشوائي أو الآلي بالأمور والقضايا دون محاولة منه لفهمها فهماً موضوعياً ومعمقاً. وبواسطة ذلك يبدأ في اكتشاف سنن الله في خلقه وفي الحياة.  

   والتساؤل هنا والفهم لا يقتصران على القضايا الميتافيزيقية والغيبية المجردة فحسب، بل يمتد ليشمل مختلف الظواهر الطبيعية والحياتية التي يدرسها المتعلم في جميع المجالات والعلوم لا سيما في  الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء والبحار والأنهار وعلم التشريح وعلوم الأعصاب وغيرها، إضافة الى الظواهر الإنسانية التي يدرسها في التاريخ والجغرافيا والعلوم الاجتماعية.

     بذلك يكون المتعلم قد اكتسب مهارة التساؤل مثل: لماذا تحدث هذه الظواهر؟ كيف تحدث؟ وماهي العوامل والأسباب التي تقف وراءها؟ وما هي التفسيرات العلمية الممكنة لها؟ وهل يصلح التسليم بتفسير واحد فقط أم هناك عدة تفسيرات؟ وما العلاقة بينها وهل تتكامل ام تتعارض وأين تكمن الفجوة المعرفية بينها وغيرها من التساؤلات؟ وهنا يجد المتعلم نفسه لا يكتف بالتسليم بمشاهدة الظاهرة وحفظ قوانينها حفظا آليا مجردا؟ بل يبحث أبعد من ذلك مما يعزز نمو مهارة التفكير المنطقي والعقلاني لديه ويتطور ذكاؤه وفق ذلك والتي تعتبر منطلق كل تقدم علمي ومعرفي.

ثانياً: تنمية الروح النقدية لدى المتعلم

  تعتبر مهارة التفكير النقدي من أهم المهارات التي تنميها مادة الفلسفة في المتعلم، والتي تتجلى في الممارسات الفكرية الاتية:

1- مهارة المراجعة والتمحيص

   تدرب الفلسفة المتعلم على عدم تقبل أي فكرة او قضية دون مناقشتها وتمحيصها وفحصها من جميع الجوانب وهو نشاط ذهني مميز لدى الانسان ليعطي للمعرفة والمفهوم أبعاده الحقيقية، مما يجعله يعمل على التحقق من صحة المقدمات والمسلمات لاستخلاص مدى صواب وصحة الاستنتاجات والخلاصات. وهو ما يحتاجه الانسان في عالمنا المعاصر الذي تعددت فيها الأفكار والطروحات والمعلومات ليستطيع اكتساب مهارة التمييز بين ما هو مفيد وضار وبين ما هو حقيقي ومزيف وبين المعلومات الصحيحة والمضللة وبين الخير والشر، وبين المعلومة والدعاية وبين الحقيقة والخرافة، وهمي المهارة التي تحصنه من أي اختراق فكري منحرف او مضلل او ملغوم. وهذا ما ينقص الكثير من المتعلمين في مجتمعاتنا العربية والاسلامية بحيث أصبحوا يكتفون بتلقي المعلومات وحفظها حفظا آليا دون نقد ولا تمحيص ولا تمييز مسلمين بصحة كل ما يقرأون او يسمعون من أي كان مما جعل مجتمعاتنا اليوم ضحية التلاعب بالعقول عير آليات الحروب النفسية وعمليات غسيل الدماغ التي تتقنها الكثير من القوى المالكة لوسائل الاعلام والتضليل.

2.– مهارة الغربلة والمقارنة

       تعتبر مهارة المقارنة بين الأفكار والمواقف والنظريات والمقاربات المختلفة، ضرورية في التفكير العلمي الموضوعي، فالفلسفة كثيرا ما تمكن المتعلمين من القدرة على الغربلة والفرز بين رؤية مفكر او فيلسوف وعالم وآخر او آخرين من حيث المنطلقات والخلفيات والمبادئ والمسلمات او المنطق الذي يعتمده كل واحد منهم، كما تمكنه من المقارنة بين مختلف التفسيرات العلمية والتفسيرات الفلسفية لظاهرة معينة، مما يمكنه من توسيع فهمه وادراكه ويجعله اكثر قدرة على استيعاب وفهم ابعاد التعددية الفكرية والأيديولوجية والمعرفية وهو ما يمكنه أيضا من القدرة على تصنيف الأفكار ووضع خلاصات واستنتاجات ووضع تحفظات كلها مهارات عقلية عليا تحتاجها عقول ابناءها في عالم كثرت فيه المفاهيم والرؤى والطروحات وهو ما يوسع مداركهم العليا .

3. – مهارة البرهنة والاستدلال المنطقي والعلمي :

   المعروف منذ القدم ان التفكير أو الممارسة الفلسفية تعتمد على المحاججة المنطقية والأدلة العقلانية، مما يدرب المتعلم على اعتماد الحجج والبراهين كأدوات فكرية للإقناع. وبالتالي يتعلم كيف يستخدم قواعد المنطق والرياضيات ومنهجية البحث العلمي في دعم آرائه وقناعاته في النقاشات والحوارات انتصارا للحقيقة والمعرفة وليس انتصارا للذات او العواطف او انتصارا للعصبية او الأيديولوجية او الجماعة أو الحزب وغيرها من العصبيات. وهو ما ينمي لديه مهارة الاتصال والاقناع والقدرة على الدفاع عن آرائه وقناعاته وتصوراته بأساليب علمية منطقية وموضوعية دون التورط في الاندفاع العاطفي او الانغلاق الفكري والايديولوجي المثبط للنمو التطور.

ثالثاً: تعلم آليات التجرد من الذاتية والالتزام بالموضوعية

    من أهم المهارات التي تنميها مادة الفلسفة أيضا لدى المتعلمين هي مهارة التفكير الموضوعي بحث يتعلم كيفي يتجاوز حدود ذاتيته وتحيزاته الخاصة، سعيا للالتزام بقواعد الموضوعية في النظر إلى القضايا المختلفة.

 ذلك ان الذاتية او الانوية تجعل الانسان سجين اهتماماته وعالمه الخاص وحبيس انتماءاته وقناعاته الضيقة، بينما الموضوعية ت ترقى به الى مستوى إدراك الحقيقة بعيدا عن الاهواء والنزوات والميول او الاعتبارات الذاتية وهو ما يحتاجه المتعلم في عالمنا المعاصر الذي يعجب بطروحات متعصبة ودوغمائية منطوية على ذاتها تعيش عملية التمرز حول الذات حسب تعبير جون بياجي.

علما ان المتعلمين في الشعب والتخصصات العلمية يحتاجون في تجاربهم المخبرية الى الموضوعية والتجرد من الذاتية كما يحتاجها الباحث التاريخي في دراسته للآحداث التاريخية الى تحليل الاحداث والبيانات وفق المعلومات والحقائق الموثقة بالأدلة الموضوعية وليس الى الانطباعات الشخصية او الخلفيات الفكرية والأيديولوجية، كما يحتاج الاديب الى معالجة وقراءة وفهم النصوص وفق نفس المبدأ ليكون فهمه معقولا ومقبولا. وبذلك يكون المتعلم أكثر إنصافاً في تقييماتها ومواقفه وأحكامه وأكثر قدرة على الوصول إلى الحقيقة كما هي في الواقع وليس كما يتمناها او يشعر بها هو.

رابعاً: تدريب الطالب على قبول واحترام الرأي الآخر والاختلاف

    بما ان الانسان محدود الآفق وتتحكم في تفكيره عدة اعتبارات ذاتية وموضوعية فمني الطبيعي ان يختلف الناس في طرق التفكير والفهم ومستوى تعقيداته. لذلك نجد ان مادة الفلسفة تدرب المتعلمين على إدراك أهمية وقيمة آراء وأفكار الطرف الاخر، مما يجعله يكتسب مهارة الاحترام للتعددية الفكرية والتنوع الثقافي فيتسع عقله وقلبه لتقبلها، وبذلك يتعلم الاعتراف بمحدودية العقل الإنسانية ونسبية الحقيقة والمعرفة العلمية. مما يمكنه من إدراك ان الاختلاف والتنوع ضرورة إنسانية ومعرفية وأن الاختلاف في الرأي ظاهرة صحية لا يفسد للود قضية، بل تعكس غنى الفكر البشري وتعدده وبواسطة ذلك تتلاقح وتنضج الأفكار أكثر فأكثر.

   ذلك ان دروس الفلسفة تجعل المتعلمين يستمعون وينصتون أكثر إلى آراء مختلف الفلاسفة والمفكرين ومختلف المقاربات الى جانب انصاتهم لآراء وقناعات زملائهم المختلفين، فيبدأ بتعلم احترام مواقفهم حتى لو كانت مخالفة لموقفه، كما يتعلم مناقشتهم بالحسنى وبأسلوب حضاري موضوعي، بعيداً عن الهدم الشخصي والتعصب الأيديولوجي او الديني ودو انفعال او عاطفة زائدة عن اللزوم.  وهو ما يحتاجه المتعلم في كل مراحل حياته سواء كان في محيطه الأكاديمي أو المهني أو الاجتماعي والأسري.

خامساً: الاعتراف بمحدودية التفكير الإنساني ونسبية المعرفة

    ان مادة الفلسفة تعلم المتعلمين في مختلف المراحل التعليمية لا سيما مرحلة التعليم الثانوي التي تعتبر بوابة التعليم الجامعي التي تهيئ الطالب لمرحلة بلورة مشروعه الحياتي والشخصي تعلمه التواضع الفكري بالاقتناع بمحدودية تفكير الانسان مهما بلغ من ذكاء وقدرات عقلية خارقة. حيث يعترف بأن الفكر البشري مهما كان راقيا ومعقدا يبقى محدودا، وأن المعرفة والحقيقة نسبية وقابلة للخطأ والمراجعة الدورية وهي أحد مبادئي التفكير العلمية القائمة على التكاملية والتراكمية للمعرفة.

وهوا ما يساعده على التجرد من منطق التقديس للأشخاص والأفكار والمدارس أو التيارات او ما يسميه مالك بن نبي بالأصنام، فتجعله يدرك ان المعرفة البشرية جزئية ومحدودة مما ينقذه من الغرور الفكري والتعصب الأيديولوجي الذي اعمى الكثير من نخب مجتمعاتنا منذ عدة عصور وعقود حتى أصبحت اليوم مازالت تتقاذف بعضها البعض بالجهل، والغباء والتكفير والتفسيق لمجرد أن الاخر يفكر بطريقة مختلفة ويفهم الأمور بأسلوب مبتكر او متميز خارج عن المألوف.

  مع العلم ان المحدودية الفكرية الانسان تعني العقل له القابلية للتجديد والتطوير عبر الزمان والمكان، طبقا لمستوى التطور الحضاري للإنسان والمجتمعات، وهو أحد قوانين الله في خلقه. وفي الطبيعة والحياة التي تنشد التغيير الدائم نحو الأفضل. فالفلسفة اذن تعلم التلميذ الاستعدادً لتقبل النقد الموضوعي واستعداده لقابلية تصحيح وتطوير أفكاره ونظرته وفق لذلك، مستفيدا من أفكار وآراء الاخرين، وهو ما يجعله اكثر قدرة على النمو التطور باستمرار.

سادساً: أهمية التكاملية بين العقول ودور الحوار في تلاقح الأفكار

لا تقتصر الفلسفة على الجانب الفردي فحسب، بل تؤكد على البعد الجماعي في بناء المعرفة. فالحوار الفلسفي بين الأفراد والمجموعات يؤدي إلى تلاقح الأفكار وتبادل الخبرات، مما يثري العقل الجمعي ويدفع بعجلة الابتكار والإبداع في المجتمع.

 بواسطة الحوار يتمكن كل متعلم من التعرف على وجهات نظر جديدة لم يكن ليصل إليها بمفرده، وتمكنه من توالد الأفكار من رحم النقاش البناء، وتتطور الرؤى وتتعمق في الفهم واستيعاب زوابا كثيرة لن يستطيع استيعابها بدون ذلك. وهو ما يجعل العقل الجمعي أقدر على مواجهة التحديات وحل المشكلات المستعصية في المجتمع من العقل الفردي المنعزل.

سابعاً: الفلسفة تحصن عقول المتعلمين ضد الخرافة والدجل

    من أخطر ما قد يتعرض له العقل البشري هو الوقوع في براثن الخرافة والدجل والأفكار غير العقلانية التي تجعل الانسان حبيس المحاولة الأوهام الفكرية التي تكبل عقله من النشاط والفاعلية. بواسطة الفلسفة نمو قدرة المتعلم على التمييز بين الفكر السوي المتناسق والمنطقي والفكر غير السوي والمضطرب وغير العقلاني، وبين المنهج العلمي المبني على الافتراضات واستراتيجيات المعالجة وحل المشكلات والادعاءات الوهمية.

     فالتفكير الفلسفي النقدي يجعل المتعلم لا يسلم بأي فكرة دون برهان ودليل عقلي او حسي او مادي او روحي، ولا يصدق أي ادعاء وهمي دون استدلال مقنع. مما يجعله محصناً ضد دعاة الخرافة والشعوذة وأصحاب الأفكار الهدامة والمتلاعبون بالعواطف والعقول للسيطرة والتحكم فيها. يعتبر هذا الأمور من أرقى مستويات التفكير التي حثنا الله سبحانه وتعالى علىها في الكثير من الآيات القرآنية لا سيما ما جاء في سورة آل عمران (190): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وفي سورة الذاريات (20-21): ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ وغيرها لتشغيل عقولنا لفهم قوانين والحياة والطبيعة بكل ابعادها وتجلياتها. وهذا دور بيداغوجي واجتماعي بالغ الأهمية في زمن كثر فيه الدجل والتلاعب بالعقول بالأفكار المغلوطة وغير العقلانية التي تنتشر بسهولة كالنار في الهشيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي يستهلكها الناس بطريقة سحرية دون تفكير ولا تامل في صدقيتها ومنطقيتها وعقلانيتها. دون ذلك يصح عقل الانسان بمثابة اسفنجة تمتص كل شيء وتراكم كل المعلومات دون تمييز ولا تمحيص مما يجعل أصحابها أكثر ضحاياها والتي تتجلى في سلوكياتهم وتصرفاتهم اتجاه أنفسهم ومحيطهم والآخرين.

إن تدريس الفلسفة لطلبة التعليم الثانوي – في مختلف الشعب العلمية والأدبية – ليس مجرد مزحة أو ترفاً أكاديمياً أو رفاهية فكرية، أو مجرد دروس يمتحن عليها التلميذ تحذف بنزوة شخصية او بجرة قلم قصد التخفيف عن المتعلمين أبعاء التحضير للامتحانات الرسمية كما قد يعتقد البعض المراهقين او المربين المشبعين بنظرة قاصرة عن الدور النفسي البيداغوجي للفلسفة، بل هو ضرورة معرفية وتربوية واجتماعية أبعد من ذلك بكثير. فهي تنمي في المتعلم روح التأمل والتساؤل، وتعزز فيه مهارة النقد والتمحيص العلمي، وتدربه على الموضوعية والتجرد من الذاتية والنزعة المزاجية، كما والأهم من كل ذلك انها تدربه على قبول الرأي الآخر واحترام الاختلاف دون تعصب ولا تطرف ولا هستيريا أيديولوجية تدميرية، وبذلك يكتسب مهارة التعرف على محدودية أفكاره وسقف ادراكه وفهمهم وفي نفس الوقت ادراك محدودية المعرفة البشرية ونسبيتها، وقابليتها للتغيير والتجديد كلما ظهرت معطيات وبيانات جديدة مبتكرة، فتتأكد لدى المتعلم قيمة ثقافة الحوار بالأفكار والتكامل بين العقول فيتبدد لديه منطق الحوار بالعضلات والتنمر الفكري والديني والايديولوجي الذي لا يفيد المجتمع في شيء بقدر ما يعزز التنافر والكراهية بين الناس، وهو ما يحصنه ضد الخرافة والدجل وكل أشكال التعصب وخاصة ضد منطق التكفير و التفسيق والتهجم الشخصي.

 وعلى هذا الأساس أصبح من الضروري أن تحظى مادة الفلسفة بمكانة متميزة في المناهج التعليمية ابتداء من المراحل الأولى للمراهقة والتي تتزامن ومرحلة التعليم المتوسط لتتدرج تماشيا مع درجات النضج العقلي والقدرة على التجريد التي تميز المتعلم في التعليم الثانوية،  على ان تُدرّس بطريقة مبتكرة مشوقة وجذابة وتفاعلية تشجع المتعلمين على المشاركة الإيجابية والحوار البناء، وأن تُربط التساؤلات، وقضايا التفكير والتأمل بموضوعات الحياة الواقعية المختلفة، حتى تؤدي دورها المنشود في تكوين مواطن مفكر وناقد ومبدع، ومتوازن قادر على التعايش مع الآخرين والمساهمة في بناء مجتمع  وتقديم قيمة مضافة في الحياة.

Partager cet article