لماذا سيكون المغرب الخاسر الأكبر في حال تفاقم الأزمة مع إسبانيا

تشكل أزمة سبتة، التي ينظر إليها جزء كبير من الإسبان باعتبارها «عدواناً»، ضربة قوية لحكومة بيدرو سانشيز، التي تُعتبر الأكثر مرونة وتساهلاً تجاه المغرب في التاريخ الحديث. وبفعل تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو الرباط وكأنها تنطلق من غرور استراتيجي قد يدفعها إلى التقليل من الكلفة الاقتصادية لأي مواجهة مع مدريد.

7 min de lecture
ميناء الجزيرة الخضراء، قادش – يتمتع الاقتصاد الإسباني بقدرة أكبر بكثير على استيعاب آثارتفاقم محتمل للأزمة . أما المغرب فسيكون الخاسر الأكبر.

ستكون للشركات الإسبانية خسائر كبيرة في حال تدهورت العلاقات مع الرباط مجدداً. لكن حجم المصالح المتشابكة يكشف، قبل كل شيء، عن هشاشة أعمق لدى المغرب، إذ ترتبط صادراته وصناعته وطاقته وجزء من استثماراته ارتباطاً وثيقاً بإسبانيا والسوق الأوروبية. تضع التوترات حول سبتة ومليلية كبرى الشركات الإسبانية أمام وضع بالغ الحساسية. فقد طورت «أكسيونا» و«إنديتكس» و«إندرا» و«كايشا بنك»، إلى جانب العديد من شركات مكونات السيارات، مصالح مهمة في المغرب. ووفق بيانات هيئة آي سي إكس (ICEX) الإسبانية، وهي المؤسسة العمومية المكلفة بتشجيع التجارة الخارجية والاستثمارات، والتي أوردتها صحيفة «إل كونفيدينثيال»، استثمرت الشركات الإسبانية 2.508 مليار يورو في المغرب، وأسهمت هذه الاستثمارات في خلق 25139 منصب عمل.

وبات الحضور الإسباني واسعاً إلى حد كبير: إذ تملك 669 شركة إسبانية ما لا يقل عن 10% من شركة مغربية، فيما تخضع 527 شركة خاضعة للقانون المغربي لملكية أغلبية إسبانية. وتحتل إسبانيا المرتبة الثالثة بين المستثمرين الأجانب في المغرب، بحصة تبلغ 8.6% من إجمالي الاستثمارات. تفسر هذه الأرقام حذر الأوساط الاقتصادية الإسبانية. لكنها تكشف أيضاً عن واقع أقل توازناً: فإسبانيا لديها الكثير لتخسره في أزمة مع المغرب، لكن هذا الأخير سيكون أمام خسائر أكبر في حال حدوث قطيعة طويلة الأمد.

تبعية تجارية وطاقوية

بلغت المبادلات التجارية بين البلدين 22,757 مليار يورو في 2025. والمغرب هو أول سوق لإسبانيا في إفريقيا، إذ يستحوذ على 54.9% من صادراتها إلى القارة. لكن الأهم أن إسبانيا أصبحت الوجهة الأولى للصادرات المغربية. ووفق مرصد التعقيد الاقتصادي (OEC)، تستقبل إسبانيا أكثر من 12 مليار يورو من السلع المغربية سنوياً، متقدمة على فرنسا بنحو 10 مليارات وألمانيا بنحو 4 مليارات.

وتظهر حالة عدم التكافؤ بشكل أوضح في قطاع الطاقة. ففي 2025، غطت الكهرباء المستوردة من إسبانيا نحو 8% من الطلب المغربي على الكهرباء. ويرتبط النظامان الكهربائيان عبر كابلات بحرية تمر من مضيق جبل طارق.
ومنذ 2022، يستخدم المغرب أيضاً البنى التحتية الإسبانية لتأمين إمداداته من الغاز، إذ يتم تفريغ الغاز الطبيعي المسال في محطات إسبانية قبل نقله إلى المغرب عبر أنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي. ووفق البيانات التي أوردتها «إل إيكونوميست»، توفر إسبانيا نحو 23% من واردات المغرب من المنتجات النفطية، ولا سيما الديزل. ولا تعني القطيعة بالضرورة حدوث شلل فوري. لكنها ستعرض المغرب لصعوبات في الإمدادات وتكاليف إضافية، في وقت تتزايد فيه احتياجاته من الطاقة والصناعة.

صناعة مندمجة في أوروبا

تجسد صناعة السيارات هذه الهشاشة. فهي أول قطاع تصديري في المغرب، إذ يتم تصدير نحو 90% من إنتاجه، فيما تمثل إسبانيا وحدها قرابة 20% من صادرات القطاع، وفق البيانات التي أوردتها «إل إيكونوميست». وبات قطبا طنجة والقنيطرة لصناعة السيارات مندمجين بعمق في سلاسل القيمة الأوروبية. وتوجد فيهما شركات إسبانية مثل «غيستامب» و«غروبو أنطولين» و«فيكوسا»، فيما تمثل مكونات السيارات نحو 12% من الصادرات الإسبانية إلى المغرب.

المفارقة واضحة: شركات إسبانية تساهم في صعود صناعة مغربية تنافس بعض مواقع الإنتاج الأوروبية، لكن هذه الصناعة تظل بدورها مرتبطة باستمرار انسيابية المبادلات مع أوروبا. وينطبق الأمر نفسه على قطاع النسيج، حيث يشكل المغرب جزءاً من شبكة موردي «إنديتكس»، وعلى البنى التحتية. إذ تملك «أكسيونا» 50% من الائتلاف المكلف بإنجاز محطة تحلية المياه الجديدة في الدار البيضاء، وهو مشروع تتجاوز قيمته 600 مليون يورو، بطاقة إنتاج تبلغ 300 مليون متر مكعب سنوياً، على أن تتولى الشركة الإسبانية تشغيله وصيانته حتى 2054. وبعبارة أخرى، تملك الشركات الإسبانية مصالح استراتيجية في المغرب، لكن الرباط يعتمد أيضاً على رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الإسبانية في جزء من بنيته التحتية الأساسية.

توقيت سيئ لأزمة جديدة

يأتي هذا الخطر في وقت يدخل فيه المغرب واحدة من أكبر دورات الاستثمار في تاريخه، بالتزامن مع التحضيرات لكأس العالم 2030. ويحتاج البلد إلى استثمارات ضخمة في السكك الحديدية والموانئ والمطارات والمياه والطاقة والسياحة. ووفق البيانات التي أوردتها «إل كونفيدينثيال»، ارتفعت الواردات المغربية من سلع التجهيز بنسبة 24.7% خلال الربع الأول من عام، فيما زادت القروض الموجهة للاستثمار بنسبة 25.3%.

في المقابل، يعتمد النموذج الاقتصادي المغربي بشكل متزايد على التصدير. فنحو 70% من صادرات المغرب تتجه إلى الاتحاد الأوروبي، وفق «كايشا بنك ريسيرش» ( CaixaBank Research)، وتقترب هذه النسبة من 80% في قطاع السيارات.

وتضيف السياحة نقطة هشاشة أخرى. فإسبانيا هي ثاني أكبر مصدر للسياح إلى المغرب، مع 4.6 ملايين زائر في 2025. وبالتالي، يمكن لأزمة طويلة الأمد أن تؤثر في الوقت نفسه على التجارة والصناعة والسياحة والاستثمارات.

غرور استراتيجي متزايد

تتناقض هذه الهشاشة الاقتصادية مع الثقة الاستراتيجية المتزايدة لدى الرباط، التي يغذيها تعزيز علاقاتها مع واشنطن وإسرائيل. فقد عزز الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في 2020، واتفاقيات أبراهام، والتقارب مع إدارة ترامب، الشعور بأن المغرب بات يمتلك دعماً خارجياً قادراً على موازنة ثقل إسبانيا. غير أن هذه الثقة الجديدة قد تغذي شكلاً من الـغـرور الاستراتيجي، أي الميل إلى التقليل من كلفة مواجهة جار تظل اقتصادات المغرب مرتبطة به باعتباره إحدى بواباته الرئيسية نحو السوق الأوروبية.

لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن إسبانيا ستخرج من أي مواجهة من دون خسائر. فقد استثمرت الشركات الإسبانية بكثافة في المغرب، وستكون بعض الشركات، خصوصاً في قطاعات السيارات والمالية والطاقة والسياحة والبنى التحتية، معرضة بشكل مباشر للتداعيات.

إسبانيا قادرة على امتصاص الصدمة بشكل أكبر

لكن الاقتصاد الإسباني يتمتع بحجم وتنوع يمنحانه قدرة أكبر على امتصاص الصدمة. فخسارة السوق المغربية ستكون مؤلمة لبعض الشركات، لكنها ستكون أكثر قابلية للتعويض من خلال أسواق أخرى. أما المغرب، فإن أزمة طويلة الأمد قد تضرب في وقت واحد عدة محركات للنمو: الصادرات، وإمدادات الطاقة، وسلاسل الإنتاج الصناعي، والسياحة والاستثمارات الأجنبية.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية في العلاقة الإسبانية-المغربية. فكلما زادت استثمارات الشركات الإسبانية في المغرب، زادت خسائرها المحتملة في حال اندلاع أزمة. لكن كلما تعاظمت هذه الاستثمارات، أصبح المغرب نفسه أكثر اعتماداً على منظومة اقتصادية تمثل إسبانيا إحدى بواباتها الرئيسية نحو أوروبا. وبالتالي، تشكل هذه التبعية المتبادلة عاملاً يردع البلدين عن الذهاب نحو قطيعة حادة. لكنها لا تعني أن كلفة القطيعة ستكون متساوية. في حال تفاقمت الأزمة حول سبتة ومليلية بشكل مستدام، ستكون إسبانيا أمام خسائر كبيرة. أما المغرب، فسيكون أمام خسائر أكبر بكثير.

Partager cet article