ديموغرافيا : تراجع الولادات في المغرب الكبير يلحق بالجزائر

لم تعد الجزائر الاستثناء الديموغرافي في منطقة المغرب الكبير. فوفق دراسة نُشرت في ماي، يبيّن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية (INED) أن الجزائر والمغرب وتونس تتقارب اليوم نحو مستويات خصوبة منخفضة يُتوقع أن تستمر. وبالنسبة للجزائر، فإن التحديات الحقيقية تبدأ الآن: الشيخوخة السكانية، الصحة، التعليم، وتشغيل النساء.

Said Merad
6 min de lecture
لم تعد الجزائر الاستثناء الديموغرافي في منطقة المغرب الكبير. وفق دراسة تتقارب الجزائر والمغرب وتونس اليوم نحو مستويات خصوبة منخفضة

الجزائر لم تعد خارج القاعدة
لفترة طويلة، بدت الجزائر وكأنها تسير في مسار مختلف عن جيرانها. ففي حين كانت تونس قد تجاوزت عتبة الإحلال منذ أواخر التسعينيات، واستمر المغرب في تسجيل تراجع تدريجي في الخصوبة، عرفت الجزائر انتعاشاً ملحوظاً في معدلات الإنجاب خلال العقد الأول من سنوات 2000 ثم في منتصف سنوات 2010.


لكن هذه الخصوصية بدأت تتلاشى. ففي العدد 644 من مجلة “سكان ومجتمع” (Population & Sociétés)، يوضح المعهد أن بلدان المغرب الكبير الثلاثة تتجه نحو «استقرار محتمل للخصوبة عند مستويات منخفضة بشكل دائم». بمعنى آخر، لم يعد تراجع الولادات مجرد تقلب ظرفي، بل أصبح تحولاً بنيوياً طويل الأمد.


ورغم استمرار الفوارق بين البلدان، فإن الاتجاه العام واحد. فقد انخفض معدل الخصوبة في المغرب إلى 1.97 طفل لكل امرأة سنة 2024، أي دون مستوى الإحلال. أما تونس فقد تراجعت إلى 1.58 سنة 2023، مع تقدير بـ1.53 سنة 2024. في المقابل، ما تزال الجزائر أعلى نسبياً، لكنها تسير منذ 2017 في اتجاه تقارب تدريجي مع جيرانها.


انتعاش الولادات في سنوات 2010 أصبح وراءنا

مع ذلك، تحتفظ الحالة الجزائرية بخصوصيتها. فقد كان الانتعاش المسجل في منتصف سنوات 2000 مدفوعاً بارتفاع كبير في معدلات الزواج؛ فبين عامي 2000 و2014، ارتفع المعدل الخام للزواج من 5.8 إلى أكثر من 10 لكل ألف نسمة. وتشير الباحثات إلى عاملين رئيسيين وراء هذا الانتعاش: دخول أجيال كبيرة من مواليد الثمانينيات سن الزواج، وتحسن نسبي في الظروف الاقتصادية، خاصة في مجالي التشغيل والسكن. وفي هذا السياق، تمكنت أعداد أكبر من الأزواج من تكوين أسر وإنجاب الأطفال، وغالباً في سن أبكر من الأجيال السابقة.


وتؤكد الدراسة أن «العلاقة بين الزواج والولادات قوية بشكل خاص في الجزائر»، لكن هذه المرحلة تبدو اليوم وكأنها انتهت. ففي عام 2019، أصبحت الولادات تتركز أساساً لدى النساء بين 25 و29 سنة، بينما تتراجع بعد سن الثلاثين. كما انخفض متوسط سن الإنجاب من 32 سنة في 2005 إلى 31.4 سنة في 2019. هكذا، لا تتبع الجزائر تماماً نفس التسلسل الزمني لتونس أو المغرب، لكنها تلتحق تدريجياً بالاتجاه العام نفسه.


تراجع الولادات مقابل ضغوط اجتماعية متزايدة

تؤكد الدراسة أن الديموغرافيا لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي. ففي البلدان الثلاثة، يرتبط انخفاض الخصوبة بارتفاع مدة الدراسة، وتأخر الالتحاق بسوق العمل، وتغير أنماط الزواج، وانتشار وسائل منع الحمل، وتحول المعايير الاجتماعية المرتبطة بالأسرة.

في المغرب، لعب انتشار وسائل منع الحمل دوراً محورياً، إذ ارتفعت نسبة استخدامها بين النساء المتزوجات من 40% إلى 70% بين التسعينيات وعقد 2020. أما في تونس، فيرتبط التراجع أكثر بتأخر الزواج وامتداد فترة العزوبية لدى الشباب.


وفي الجزائر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، لكن واقعاً أساسياً يبرز: البيئة الاجتماعية أصبحت أقل ملاءمة لتكوين أسر بسرعة. ويظهر ذلك خصوصاً لدى النساء، حيث يشير التقرير إلى تزايد عددهن في التعليم العالي، دون تحسن مماثل في الإدماج المهني.
في الجزائر كما في المغرب، ينخفض معدل النشاط الاقتصادي للنساء بعد سن الثلاثين، أي في الفترة التي ترتفع فيها الأعباء الأسرية، ولا يتجاوز معدل نشاط النساء بين 40 و44 سنة 25.9%. وبالتالي، فإن تراجع الولادات لا يعكس فقط قرارات فردية، بل يكشف أيضاً حدود بيئة اقتصادية ومؤسساتية تجعل التوفيق بين الدراسة والعمل والزواج والأمومة أمراً صعباً.


التحدي الصامت للشيخوخة

ستبرز آثار هذا التحول بشكل أكبر في مجال آخر: الشيخوخة السكانية. فاستمرار انخفاض الخصوبة يغيّر تدريجياً البنية العمرية للسكان: عدد أقل من الأطفال في القاعدة، وعدد أكبر من البالغين ثم كبار السن في القمة. وتُعد تونس البلد الأكثر تقدماً في هذا المسار، فقد ارتفعت نسبة من هم فوق 60 عاماً من 8% إلى 17% بين عامي 1997 و2024. أما في المغرب فقد بلغت 13.8% سنة 2024.

وفي الجزائر، ما تزال النسبة أقل عند 10.5% سنة 2023، لكن التقرير يشير إلى أن الشيخوخة ستتسارع في السنوات المقبلة مع استمرار انخفاض الخصوبة. ويؤدي ذلك إلى تغيير عميق في أولويات السياسات العامة: الأمراض المزمنة، الرعاية طويلة الأمد، تمويل التقاعد، وإعادة تشكيل التضامنات العائلية.


التعليم والصحة والتشغيل: إعادة هيكلة شاملة

بالنسبة للجزائر، لا تعني هذه المرحلة انخفاض عدد الأطفال فقط، بل إعادة تعريف شاملة لأولويات السياسات العامة. قد يتراجع الضغط الكمي في التعليم، لكن التحدي سيتحول نحو الجودة: النجاح المدرسي، التوجيه، التأطير، والارتقاء الاجتماعي. في الصحة، سينتقل مركز الاهتمام تدريجياً من صحة الأم والطفل إلى الأمراض المزمنة والشيخوخة.

في سوق العمل، سيكون التحدي مزدوجاً: استيعاب شباب لا يزالون بأعداد كبيرة، وتحسين إدماج النساء المتعلمات اللواتي ما زلن يعانين من ضعف التشغيل.


نافذة زمنية ضيقة

لا تزال الجزائر تتمتع بفارق زمني بسيط مقارنة بتونس والمغرب، لكن هذا الهامش سيكون قصيراً. إذ يمنحها تراجع الولادات وقتاً محدوداً فقط لإعادة تكييف نظامها التعليمي والصحي وسوق العمل مع الواقع الجديد، ليس لتفادي التحول، بل لتقليل كلفته.

والرسالة الختامية التي تبعث بها الدراسة واضحة: يدخل المغرب الكبير اليوم مرحلة جديدة تتسم بخصوبة منخفضة مستقرة على المدى الطويل. وبالنسبة للجزائر تحديداً، لم تعد الديموغرافيا مجرد مسألة أرقام وولادات، بل أصبحت تحدياً يمس جوهر النموذج الاجتماعي وقدرة الدولة على التكيف والإصلاح البنيوي.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article