وزيرة الثقافة تنتصر لـ «الشيخة الريمتي» على طريقتها.. «أنتِ قُدّامي وأنا مُوراكِ»..

5 min de lecture
المغنية الجزائري "الشيخة الريمتي".
Ajoutez Maghreb Émergent sur Google pour trouver du contenu similaire

تغريدة تفتح الذاكرة

بعد الجدل الذي صاحب إصدار واسني لعرج حول الشيخة الريمتي”، فضلّت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، الإنتصار لها بطريقتها. فعبر تغريدة ، كشف الوزيرة أن المهرجان يعود إلى “بوابته التاريخية” وسيحتفي هذه السنة بالأيقونة “الريمتي” صاحبة رائعة “أنت قُدامي وأنا موراك..يالزين يا لقلبي بغاك..” ، مؤكدة أن هذه الطبعة الاستثنائية ستحتفي بـ”الأيقونة التاريخية” لهذا اللون الغنائي، تقديراً لمسيرة فنية حملت أصالة الراي إلى المحافل الدولية.

ووصفت الوزيرة الراي بأنه كان دائماً “أعذب هدية من الجزائر إلى العالم”، مشددة على أن هذا الإرث الشعبي لن يغادر جذوره الضاربة في عمق الثقافة الجزائرية، وأن الوزارة تعمل على أن تكون هذه النسخة استحضاراً لجماليات الروح الجزائرية بكل تجلياتها.

الريميتي: صوت لم يكن يغني للترفيه فقط

قبل أن تصبح “الريميتي” اسماً يُردَّد في المهرجانات، كانت سعدية باضيف صوتاً خرج من رحم القسوة: يُتم مبكر، وطفولة قاسية في جزائر ترزح تحت الاحتلال، ورقص وغناء صارا وسيلة وحيدة لكسب لقمة العيش. من هذا الجرح وُلد فنٌّ لم يعرف المجاملة، فغنّت المرأة الحرب والفقر والحب والخمر والصداقة، وتناولت في نصوصها هموم البسطاء بمباشرة نادرة.

ومن أبرز ما خلّفته من تراث غنائي لا يزال حياً إلى اليوم: أغنية “شرق قطع” التي تُعدّ من أشهر أعمالها على الإطلاق وأعاد توزيعها لاحقاً كثير من فناني الراي الحديث، و”أنا وغزالي” بطابعها الرومانسي المباشر، و”هاك السرة هاك” التي اعتُبرت من أجرأ أغانيها وكرّست لقبها كـ”مطربة المحرمات”، إضافة إلى “نوري يا الغابة”، الأغنية التي استُشهد بها لاحقاً كدليل على التزامها العفوي بالقضية الوطنية إبّان الثورة، من دون ادّعاء أو تنظير.

هذه الجرأة نفسها جعلتها ممنوعة في التلفزيون الجزائري لعقود، حتى بعد رحيلها، بتهمة الخروج عن “المألوف” — وهي التهمة ذاتها التي جعلت صوتها خالداً، وجعلت مجلس مدينة باريس يطلق اسمها على ساحة في الدائرة 18 سنة 2018، تكريماً لها بوصفها صوت الجالية المغاربية التي ربطت الهجرة بالوطن الأم.

واسيني الأعرج يفتح الملف من جديد

لم يكن صدور رواية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج “الريميتي… أناشيد الجمر والنار” مجرد حدث أدبي عابر، بل شكّل مناسبة لإعادة فتح النقاش حول مكانة الريميتي في الذاكرة الثقافية الجزائرية. العمل، الذي وصفه بعض المتابعين بأنه شهادة أدبية عن “النساء المنسيات” والأصوات التي حاول المجتمع إسكاتها، أثار جدلاً واسعاً، إذ رأى البعض أن الحكم على الرواية سبق قراءتها، فيما اعتبر آخرون أن الجدل يعكس أزمة أعمق في علاقة النخب الثقافية بفن الراي نفسه.

هذا الجدل تجاوز النقاش الأدبي البحت، ليأخذ طابعاً فكرياً حين ردّ الأعرج على قراءات وصفها بـ”التبسيطية” لفن الراي، عقب انتقادات وجّهها باحثون اعتبروا أن هذا اللون الفني يفتقر إلى الخلفية المعرفية التي يستحقها. ووسط هذا السجال، ظل السؤال الذي طرحته الرواية معلّقاً: كيف تُمنع أغاني الريميتي من البث الرسمي عقودًا كاملة بعد الاستقلال، رغم انتشارها الواسع شعبياً، بينما تغيب النخب الثقافية عن الدفاع عنها في تلك المرحلة؟

بن زيان: تكريم مهم… لكن ماذا عن مفدي زكرياء؟

هذا التساؤل بالذات هو ما فتحه أيضاً الإعلامي والشاعر محمد بن زيان، المتخصص في الشأن الثقافي، في تعليق له على الحدث. فبينما رحّب بن زيانفي تصريح خص به موقع “مغراب إيمغجنت”، بعودة المهرجان معتبراً إياها “بداية مهمة رغم التأخر”، أبدى تخوفه من أن يتحول التكريم إلى مجرد طقس نمطي متكرر، خاصة في ظل النقاش الواسع الذي لا يزال متداولاً منذ صدور رواية واسيني الأعرج المرتبطة بسيرة الريميتي. وشدد بن زيان على أن المهم هو أن يتحول هذا التكريم إلى ترسيخ حقيقي وتقييد فعلي لعطاء كل من قدّموا لهذا المجال وغيره من المجالات، لا أن يبقى حبراً على ورق.

لكن الأبعد في تعليقه كان استحضاره لمقارنة لافتة. فقد تساءل ، بن زيان ، عن غياب إلتفاتة في اليوم الوطني للشعر أمس ، تليق بالشاعر مفدي زكرياء، الشاعر الذي يُعدّ من أبرز رموز البلاد، معتبراً أنه لم يَنَل بعد الاعتراف الذي يستحقه. ودعا بن زيان إلى ترسيخ ثقافة اعتراف حقيقية، مدعومة بدراسات ومقاربات تُعيد وضع هذه الرموز — ريميتي و مفدي زكرياء وغيرهما — في سياقها الجديد، بدل الاكتفاء بالاحتفالات الموسمية.

عودة إلى الجذور، أم بداية مساءلة؟

بين تغريدة وزارية تستعيد “سجناء ذاكرة الراي” إلى مهده ، ورواية أعادت فتح جرح قديم، وتعليق ثقافي يطرح أسئلة الذاكرة والاعتراف، يبدو أن مهرجان سيدي بلعباس هذا العام لن يكون مجرد حفل غنائي عابر. إنه، بحسب ما تكشفه ردود الفعل الأولى، مناسبة لإعادة النظر في علاقة الجزائر بأصواتها الكبيرة، كم استغرقنا لنُنصف الريميتي؟ ومن غيرها لا يزال ينتظر دوره، لماذا لا ؟ يرقى مهجران الراي المحلي إلى مهرجان دولي للراي بعد صراع على هذا التراث الجزائري في أروقة اليونسكو

ÉTIQUETTES :
Partager cet article