أوروبا ترصد 25 مليار يورو لتحويل الصحراء الجزائرية إلى محطة شمسية عملاقة

أطلقت المفوضية الأوروبية مبادرة «تي-ميد» (T-MED) بميزانية تصل إلى 25 مليار يورو لتطوير الطاقات المتجددة في جنوب البحر الأبيض المتوسط. وتُعد الجزائر، بما تمتلكه من إمكانات شمسية هائلة تكفي نظرياً لتلبية احتياجات أوروبا من الطاقة، حجر الزاوية في هذا المشروع.

6 min de lecture
بعد خمسة عشر عاماً على تبخر مشروع «ديزرتيك» في رمال الصحراء، عادت المفوضية الأوروبية يوم الثلاثاء إلى الواجهة بمبادرة جديدة تهدف إلى استغلال الطاقة المتجددة في الضفة الجنوبية للمتوسط.

بعد خمسة عشر عاماً على تبخر مشروع «ديزرتيك» في رمال الصحراء، عادت المفوضية الأوروبية يوم الثلاثاء إلى الواجهة بمبادرة جديدة تهدف إلى استغلال الطاقة المتجددة في الضفة الجنوبية للمتوسط. هذه المرة، تحمل المبادرة اسماً وميزانية وجدولاً زمنياً واضحاً. ويأتي برنامج «تي-ميد» (T-MED)، وهو اختصار لعبارة «التعاون العابر للمتوسط في مجال الطاقات المتجددة والتكنولوجيات النظيفة»، في إطار «الميثاق من أجل المتوسط» الذي تم اعتماده في برشلونة في نوفمبر 2025. وقد أُطلق خلال أسبوع الطاقة المستدامة الأوروبي، ويهدف إلى تحويل الضفة الجنوبية للمتوسط إلى ما وصفته مفوضة شؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا بـ«مركز عالمي للطاقة النظيفة».

وتختصر عبارة متداولة في بروكسل حجم الطموح الكامن وراء المشروع. فقد صرّح مسؤول أوروبي رفيع، وفقاً لصحيفة «ليزيكو» التي كشفت عن المبادرة، قائلاً: «إن جزءاً صغيراً فقط من الأراضي الجزائرية كفيل بتغطية كامل احتياجات أوروبا من الطاقة». كما أكد مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن أن الاتحاد الأوروبي «قادر على تعبئة ما يصل إلى 25 مليار يورو من الاستثمارات الإضافية في مجالي الطاقة والتكنولوجيات النظيفة بحلول عام 2035».

فجوة الأرقام

لا تزال الطاقات المتجددة تمثل ما بين 1 و3 في المائة فقط من المزيج الطاقوي في عدد من البلدان الشريكة، بينما لم تستقطب إفريقيا سوى 2 في المائة من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع خلال عام 2024. وهذا التناقض تحديداً هو ما تسعى مبادرة «تي-ميد» إلى معالجته، من خلال ثلاثة أهداف رئيسية: تعزيز الأمن الطاقوي، ودعم التنافسية الصناعية، وتسريع إزالة الكربون. وتشمل الآليات المقررة منصة استثمارية تدخل حيز التشغيل اعتباراً من سبتمبر 2026، مدعومة بضمانات أوروبية بقيمة خمسة مليارات يورو. كما تتضمن المبادرة مساراً لتسريع الإصلاحات التنظيمية، وبرنامجاً لتكوين مئة ألف عامل، إلى جانب تحديث البنى التحتية. وقد

أطلقت المفوضية بالفعل دعوة للمستثمرين الخواص مفتوحة إلى غاية 15 يونيو، وأخرى لحاملي المشاريع تمتد إلى 15 أغسطس.
وتشمل المبادرة أيضاً تحويل بعض خطوط الغاز القديمة إلى ممرات لنقل الهيدروجين. وفي هذا السياق يبرز مشروع «ساوث 2 كوريدور» (SoutH2 Corridor)، وهو خط أنابيب للهيدروجين بطول 3300 كيلومتر يربط شمال إفريقيا بإيطاليا والنمسا وألمانيا، ويهدف إلى تزويد الأسواق الأوروبية بالهيدروجين المتجدد المنتج في تونس والجزائر، مع الاعتماد بدرجة كبيرة على إعادة استخدام خطوط الأنابيب القائمة. ويُنفذ المشروع من قبل تحالف يضم سوناطراك وسونلغاز، إلى جانب شركة في إن جي الألمانية (VNG)، وشركتي سنام وسي كوريدور الإيطاليتين (Snam وSea Corridor)، وشركة فيربوند غرين هيدروجن النمساوية (Verbund Green Hydrogen). وقد اعترفت المفوضية الأوروبية بالمشروع باعتباره مشروعاً ذا مصلحة أوروبية مشتركة.

شبح «ديزرتيك»

كان مشروع «ديزرتيك»، الذي أُطلق عام 2009 بدعم من شركات أوروبية ودول في شمال إفريقيا، يعد بتأمين ما يصل إلى 15 في المائة من الطلب الأوروبي على الكهرباء بحلول عام 2050. غير أن المشروع، وبعد سنوات من الدراسات والاستثمارات الأولية، انتهى إلى الفشل بصيغته الأصلية. ولم تتمكن الشركات الداعمة له، ومن بينها سيمنس و«إيه بي بي» (ABB) ودويتشه بنك، من تجاوز تداعيات الربيع العربي، وانخفاض كلفة الطاقة الشمسية في أوروبا، إضافة إلى اعتماده على نموذج حوكمة خاص بالكامل

. وتؤكد بروكسل أنها استخلصت الدروس من تلك التجربة، معتبرة أن «ديزرتيك» كان مشروعاً «خاصاً أكثر من اللازم»، وأن البلدان الشريكة لم تكن ترى بوضوح المكاسب التي ستجنيها منه. أما «تي-ميد» فيُقدَّم باعتباره مشروعاً مختلفاً جذرياً، يقوم على دعم سياسي مباشر. وفي هذا الإطار، احتضنت الجزائر في فبراير 2026 حواراً سياسياً رفيع المستوى حول الطاقة بين الاتحاد الأوروبي والجزائر، برئاسة مشتركة لكل من وزير الدولة وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة محمد عرقاب، والرئيس المدير العام لسونلغاز مراد عجال، ومفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن. وبذلك يكون المسار الدبلوماسي للمشروع قد أُعِدّ مسبقاً.

الجزائر تتحرك

من جهتها، لا تنتظر الجزائر قرارات بروكسل للمضي قدماً في استراتيجيتها الطاقوية. فمن المرتقب أن تدخل عشرون محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية الخدمة خلال العام الجاري في إطار برنامج بقدرة 3000 ميغاواط، يشكل المرحلة الأولى من هدف يبلغ 15 ألف ميغاواط بحلول عام 2035. وفي مايو الماضي، أعلن مراد عجال ربط 400 ميغاواط إضافية بالشبكة الوطنية، كما تحدث للمرة الأولى عن إمكانية إنشاء كابل كهربائي بحري لتصدير الكهرباء الجزائرية إلى أوروبا.

لكن المشككين يشيرون إلى فجوة واضحة في الحسابات. فمبلغ 25 مليار يورو المتوقع تعبئته بحلول عام 2035 يبدو متواضعاً مقارنة بتقديرات المفوضية الأوروبية نفسها، التي تتحدث عن احتياجات استثمارية تتراوح بين 75 و120 مليار يورو بحلول عام 2030. كما تعود إلى الواجهة مسألة التبعية الطاقوية. فبعد الاعتماد الأوروبي السابق على الغاز الروسي، يطرح البعض سؤالاً حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي مهدداً بإعادة إنتاج النموذج ذاته مع طاقة الجنوب. أما الرد الرسمي الأوروبي فيستند إلى تنويع مصادر التزويد والتكنولوجيات ومسارات الإمداد. ومن المنتظر صدور النسخة الثانية من خطة عمل «الميثاق من أجل المتوسط» خلال خريف 2026، فيما ستعقد المنصة الاستثمارية «تي-ميد» أول اجتماعاتها في أكتوبر المقبل. ويبدو أن شمس الصحراء الجزائرية لم تنته بعد من إثارة النقاش في بروكسل.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article