ولد إدغار ناحوم في باريس عام 1921، لأسرة يهودية تعود جذورها إلى سالونيك، وكان بإمكانه أن يسلك طريقاً مرسوماً وممهداً، لكنه اختار الهامش والمخاطر. نبض قلب الشاب اليافع لإسبانيا الجمهورية، فكان يعد الطرود لمناهضي الفاشية، قبل أن ينخرط في صفوف المقاومة السرية اتخاذاً من «موران» اسماً حركياً له في تولوز عام 1942.
وقد شكّلت تجربة العمل السري هذه محطةً مؤسسة في حياته، إذ صاغت شخصية مواطن عالمي لم يتخلَّ يوماً عن أسلحة الفكر والنقد. وإذا كان قد انخرط في الحساب الشيوعي بحماسة المؤمن بقضية كبرى، فإنه سرعان ما انفصل عنه عام 1951، مستخلصاً من تلك التجربة رفضاً دائماً لكل أيديولوجيا متحجرة. وهو الانفصال الذي أنتج كتابه الشهير «نقد ذاتي» (Autocritique) عام 1959، وهو سرد صادق لرحلة روحية يقف فيها على التزاماته وخيبات أمله.
التزام لا يساوم
تبدو حياة موران سلسلة متواصلة من مواقف «لا» و«لماذا لا؟». وقد تجلّت هذه الخصوصية بوضوح خلال حرب التحرير الجزائرية. ففي عام 1960 رفض التوقيع على «بيان الـ121» الداعي إلى حق العصيان العسكري، ليس بدافع التردد أو الخوف، بل لأنه رأى، مع المفكر كلود لوفور، أن الدعم غير المشروط لجبهة التحرير الوطني قد يقود إلى سلطة احتكارية وديكتاتورية الحزب الواحد. كما دافع عن مناضلي الحركة المصالية الذين تعرضوا للملاحقة والاستهداف من طرف جبهة التحرير الوطني، رافضاً الانخراط في حملات التشهير التي طالت الأقليات السياسية آنذاك. وفي سنة 1962 عبّر عن دعمه لمحمد بوضياف، معتبراً أنه الأقدر على إرساء تعددية ديمقراطية حقيقية في الجزائر المستقلة.
هذه اليقظة الإنسانية ذاتها هي ما دفعته، بعد عقود، إلى كسر المحظورات في مقاربته للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ففي جوان 2002 وقّع إلى جانب سامي ناعير ودانييل سالناف مقالاً أثار جدلاً واسعاً في صحيفة “لوموند” بعنوان «إسرائيل-فلسطين: السرطان»، كتب فيه: «إن يهود إسرائيل، أحفاد ضحايا نظام فصل وتمييز كان يُسمّى الغيتو، يمارسون اليوم نوعاً من الغيتو على الفلسطينيين. واليهود الذين أُهينوا واحتُقروا واضطُهدوا، يهينون ويحتقرون ويضطهدون الفلسطينيين». وقد تعرض بسبب تلك المواقف لملاحقات قضائية وانتقادات حادة، لكنه ظل يؤكد أن «الأخوّة لا تعترف بالحدود الإثنية».
«وطن الأرض»
غير أن أكثر ما يميز إرثه الفكري بالنسبة إلى شعوب الضفة الجنوبية للمتوسط هو رؤيته البيئية ومفهومه لـ«وطن الأرض». فمنذ سنة 1993، في كتابه «وطن الأرض» (Terre-Patrie)، صاغ هذا المفهوم الاستشرافي داعياً إلى وعيٍ جديد يقوم على وحدة المصير الإنساني فوق الكوكب. لم يكن إدغار موران من دعاة الإيكولوجيا العقابية أو الخطابات الكارثية، بل كان مفكراً يسعى إلى إيقاظ الوعي الجماعي. وفي كتابه «الطريق» (La Voie) الصادر عام 2011، رسم معالم مشروع حضاري جديد يعيد التوازن بين الإنسان وبيئته، متسائلاً: «هل نتجه نحو سلسلة من الكوارث؟ يبدو ذلك مرجحاً إذا لم ننجح في تغيير الطريق». وهي رؤية تجد صدى خاصاً في إفريقيا التي ما تزال تبحث عن سبل تحقيق سيادة تنموية مستدامة.
حتى آخر أيامه، ظل إدغار موران ذلك «الإلكترون الحر» الذي يربك اليقينيات ويفلت من التصنيفات الجاهزة. فمن عمله الموسوعي الضخم «المنهج» (La Méthode)، الذي صدر في ستة مجلدات بين 1977 و2004 لإعادة التفكير في المعرفة، إلى كتابه «مدخل إلى الفكر المركب» (Introduction à la pensée complexe) الصادر سنة 1990، والذي دعا فيه إلى ربط المعارف المتفرقة، ظل مشروعه الفكري بأكمله يذكّرنا بأن المقاومة فعل إبداع، وأن الوطن الأول للإنسان هو الإنسانية نفسها.

