إسبانيا: تسوق مغربي وجزائري.. بين سياح الفخامة في مدريد و”كباش” على شاكلة أليكانتي

كشف أحدث تقرير صادر عن هيئة تنشيط السياحة الإسبانية ونشرته وسائل الإعلام في مدريد أن المغرب والجزائر يصنفان ضمن المراكز 5 الأولى عالمياً في الإنفاق على سياحة التسوق في إسبانيا. لكن خلف هذه الأرقام المثيرة تختبئ حقيقة مزدوجة، فإذا كان جزء من هذه العائدات يأتي من سياحة النخبة الفاخرة، فإن جزءاً آخر، حاسماً بالنسبة للجانب الجزائري، يرتكز على الشبكات غير الرسمية للتجارة الموازية عبر البحر أو ما يعرف بالتراباندو.

6 min de lecture
جزء كبير من "سياحة" التسوق يمر عبر "كباش" ميناء اليكانتي

المفارقة الأكثر إثارة للدهشة في الإحصائيات السياحية الإسبانية الصادرة عن الهيئة الحكومية توريسبانيا (Turespaña) تكمن في أنه على الصعيد العالمي، لا تمثل القارة الإفريقية سوى قطرة في بحر العائدات السياحية الإجمالية لشبه الجزيرة الإيبيرية بحيث لا تتجاوز بالكاد نسبة 2.5%. ومع ذلك، بمجرد عزل القطاع الاستراتيجي لسياحة التسوق، تقفز حصة إفريقيا فجأة لتصل إلى 14.4% من إجمالي الإنفاق, لتضخ سيولة ضخمة بلغت 1629 مليون يورو في سوق عالمية تجاوزت عتبة 11.317 مليون يورو في عام 2025 بزيادة إجمالية قدرها 4.7%.

وتطرح هذه المعطيات تساؤلاً جوهرياً حول كيفية تمكن تدفق سياحي ضئيل من حيث الحجم من كسب كل هذا الثقل في خزائن المتاجر الإسبانية، والإجابة هنا تكمن في بلدين يزاحمان اليوم عمالقة الاقتصاد العالمي وهما المغرب والجزائر.


المغرب على المنصة والجزائر ضمن الخمسة الأوائل عالمياً


في التصنيف العالمي لإنفاق التسوق الذي وضعته مدريد، تصدرت الولايات المتحدة القائمة بـ 1555 مليون يورو، لتليها مباشرة المملكة المغربية التي فرضت نفسها كقوة ثانية في العالم بإنفاق بلغ 762 مليون يورو. أما الجزائر فقد حققت مفاجأة باحتلالها المرتبة 5 عالمياً، متموقعة خلف المملكة المتحدة مباشرة ومتفوقة على دول مثل كولومبيا وتركيا والصين. ورغم أن الخلاصة الرسمية لتقرير مدريد لم تعزل الرقم الخام والنهائي للسوق الجزائرية، إلا أن عملية حسابية استنتاجية قائمة على البيانات الإقليمية المتقاطعة التي وفرتها الهيئة الإسبانية تسمح بتحديد هذا الحجم.

فبما أن المكسيك صاحبة المرتبة الثالثة سجلت 620 مليون يورو، والمغرب يستحوذ على 762 مليون يورو من إجمالي الغلاف الإفريقي، فإن التقديرات المنطقية تضع إنفاق السياح الجزائريين في إسبانيا ضمن نطاق يتراوح بين 450 و550 مليون يورو سنوياً، مما يجعلهما يستحوذان معاً على أكثر من 75% من ميزانية التسوق للقارة السمراء في إسبانيا متفوقين على دول رائدة في السياحة الجماهيرية مثل ألمانيا التي تراجعت إلى المرتبة 16 في هذا التصنيف.


وكما يبرز تحليل نشرته صحيفة “ذا أوبجكتيف” الإسبانية، فإن ديناميكيات سياحة الشراء هذه تقلب جميع القواعد التقليدية للقطاع، حيث انكمش متوسط مدة إقامة هؤلاء المشترين بنسبة 5% ليستقر عند 5.7 أيام فقط، لكن هذا الانخفاض في الوقت المستغرق على الأرض تم تعويضه فوراً بكثافة شرائية غير عادية إثر قفز متوسط الإنفاق اليومي بنسبة 8.4% ليصل إلى 232 يورو يومياً.

ويلخص الاختلاف الهيكلي بين القارات هذا التباين الصارخ، إذ تمثل أوروبا 78.3% من الإنفاق السياحي الإجمالي ولكن 27.2% فقط من ميزانية التسوق، في حين تمثل إفريقيا مدفوعة بالبلدين الجارين بالكاد 2.5% من الإنفاق الإجمالي مقابل 14.4% من كعكة التسوق العالمية.


الوجهان الثنائيان للمتسوق: من ترف مدريد وبرشلونة إلى جغرافية الموانئ


بالنسبة لمؤلفي التقرير في هيئة تنشيط السياحة الإسبانية، يفسر هذا المنحنى بظهور زبائن من خارج الاتحاد الأوروبي يتمتعون بقدرة شرائية عالية من إطارات ورجال أعمال وأصحاب مهن حرة جاؤوا للجمع بين الزيارات الثقافية والتسوق من العلامات التجارية الكبرى في مدريد التي تحولت إلى أحد العواصم العالمية للفخامة والترف، حيث تقبل هذه النخبة القادمة من الدار البيضاء أو الجزائر العاصمة على المتاجر الحصرية في حي سالامانكا أو مجمع كاناليخاس، وغالباً ما يرتبط سياق رحلاتهم برعاية طبية متقدمة أو استثمارات عقارية، مستفيدين بالكامل من ميزة استرداد الضريبة على القيمة المضافة البالغة 21% عبر رحلات جوية قصيرة على درجات رجال الأعمال.

لكن على أرض الواقع، تبدو الحقيقة أكثر تعقيداً ومتجذرة في الاقتصاد الموازي، فإلى جانب هذه النخبة، يعتمد جزء كبير من الأداء التجاري على ظاهرة المسافرين المكوكيين أو من يُعرفون في العامية بـ “الكباش” أو تجار الحقائب الذين يشكلون العمود الفقري للتجارة غير الرسمية.


الجزيرة الخضراء وأليكانتي: الرئات اللوجستية للتجارة الموازية


وهنا تبرز جغرافية الموانئ لترسم معالم هذا النشاط الموازي، ففي حين تعتمد الشبكات المغربية بشكل طبيعي على القرب الجغرافي للمضيق وعبر الخطوط البحرية عالية الكثافة التي تربط ميناء الجزيرة الخضراء (Algésiras) بطنجة المتوسط، فإن السيناريو الجزائري يتخذ من ميناء أليكانتي مسرحاً دائمًا له.

فالخطوط البحرية التاريخية التي تربط وهران والجزائر العاصمة وبجاية بالساحل الإسباني تشهد يومياً عبور هؤلاء المتخصصين في التسوق السريع الذين يصلون عبر عبّارة الصباح ولا يقضون سوى ليلة واحدة على الأكثر في المدينة دون تضييع الوقت في تأمل الواجهات، إذ تكون السلع من ملابس جاهزة تابعة للمجموعات العالمية الكبرى وأحذية إلتشي ومستحضرات تجميل مطلوبة مسبقاً ومدفوعة الثمن ومجهزة من قِبل تجار الجملة المحليين عبر شبكات تواطؤ تجاري معلومة.


الوزن الخفي لمكاتب استرداد الضرائب بالموانئذ


ولا يستهلك هؤلاء التجار المكوكيون ليالي الفنادق الفاخرة ولا يرتادون المطاعم الراقية, لكنهم يشحنون في المقابل كميات هائلة من البضائع الموجهة لتغذية الأسواق المحلية حيث يظل الطلب على المنتجات الأصلية مرتفعاً في ظل القيود المفروضة على الاستيراد الرسمي.

وهنا يلتقي العمل غير الرسمي بالإحصاء الرسمي في مدريد، فمن أجل رفع هامش ربحهم يمر هؤلاء التجّار بانتظام عبر مكاتب استرداد الضريبة التابعة للجمارك في الموانئ قبل الصعود إلى السفينة لرحلة العودة، لتُسجل كل استمارة رقمياً وتُحتسب تلقائياً في مدريد كأداء متفوق لسياحة التسوق.


وفي نهاية المطاف، ترسم الأموال التي تناهز 500 مليون يورو المستنتجة للجزائر خريطة ذات وجهين. فهي تعكس بالتأكيد جاذبية واجهات ومتاجر الفخامة والترف في مدريد أو في برشلونة للنخب والبورجوازية المغاربية، لكنها تجسد قبل كل شيء الدور الحيوي لمدينتي أليكانتي والجزيرة الخضراء كمراكز إمداد موازٍ وحيوية لكل الضفة الجنوبية للمتوسط، في اقتصاد ظل يسد ثغرات القنوات الرسمية، ويصنع في المقابل انتعاش تجارة التجزئة الإسبانية.

Partager cet article