إسبانيا : مع أزمة سبتة، رهان بيدرو سانشيز على المغرب يبلغ حدوده

في وقت يواجه فيه جيب سبتة ضغوطاً غير مسبوقة للهجرة، تتكشف الفجوات الهيكلية العميقة في التقارب الاستراتيجي الذي اعتمدته مدريد مع الرباط منذ عام 2022. فمن خلال التنازل عن ملف الصحراء الغربية دون الحصول على ضمانات حدودية دائمة، تجد حكومة بيدرو سانشيز نفسها محاصرة في علاقة غير متكافئة. وقد تشكل هذه الأزمة الكبرى نهاية لأوهام الدبلوماسية، وتُجبر إسبانيا على إضفاء طابع أوروبي على حماية حدودها.

6 min de lecture
بيدرو سانشيز في سبتة: شكوك حول الشراكة المميزة مع المغرب

تضع أزمة الهجرة التي تضرب سبتة حالياً رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام إحدى أكبر التناقضات في سياسته الخارجية. فمنذ عام 2022، اتخذ سانشيز من التقارب مع الرباط خياراً استراتيجياً مُعلناً. غير أن التدفق المفاجئ والكثيف لعشرات الآلاف من المهاجرين نحو الجيب الإسباني—وسط تساؤلات ملحة حول مدى نجاعة وحقيقة الضبط الأمني المغربي على الحدود—يزعزع التوازن الدبلوماسي الذي تم بناؤه خلال السنوات الأخيرة. تتجاوز القضية المركزية مجرد الخلل الفني على حدود حساسة لتمس جوهر العلاقة الثنائية: هل يمكن لشراكة تُقدم منذ ثلاث سنوات كخيار استراتيجي أن تستمر على أساس من الثقة غير المتكافئة؟


فخ التنازل أحادي الجانب


كما يشير الصحفي إغناسيو سيمبريرو في صحيفة “إل كونفيدينثيال”، قدمت مدريد سلسلة من لفتات حسن النية تجاه المغرب دون أن تحصل في المقابل على ضمانات ملموسة. وشكّلت رسالة سانشيز إلى الملك محمد السادس في مارس 2022—والتي اعتبر فيها خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية الأساس الأكثر جديّة وواقعية ومصداقية—تحولاً تاريخياً حاداً. فمن أجل الحصول على ما ظنت مدريد أنه ضمانة أمنية على حدودها الجنوبية، ضحت الحكومة الإسبانية ببرود بموقفها التقليدي من ملف الصحراء الغربية. وامتد هذا التودد ليشمل دعم الترشح المشترك لكأس العالم 2030، والدفاع عن المصالح المغربية في عدة ملفات أوروبية حساسة، وتجنب أي مبادرة قد تثير غضب الرباط، لدرجة التوصية غير المعلنة للعائلة المالكة الإسبانية بتجنب زيارة سبتة ومليلية.


يجسد هذا الموقف المتحفظ الخطيئة الأصلية لهذا الرهان الدبلوماسي، والتي تكمن في خطأ جوهري في القراءة الجيوسياسية. ففي الوقت الذي ظنت فيه مدريد أنها تبرم اتفاقاً نهائياً للاستقرار، كانت الرباط ترى فيه مجرد مرحلة. تعتمد الدبلوماسية المغربية نهج التقدم خطوة تلو الأخرى؛ فبمجرد تحصين موقفها بشأن الصحراء الغربية، تنتقل الرباط بشكل طبيعي بطموحاتها نحو الخطوة التالية: الجيوب الشمالية.


شكوك في موثوقية الشريك


يشكل حجم موجة الهجرة الجديدة جوهر المشكلة. ودون الحاجة لإثبات مسؤولية مباشرة للسلطات المغربية علناً، يبقى الواقع الميداني فريداً في دلالاته؛ إذ لا يمكن وتحت أي ظرف أن تمر حشود بهذه الضخامة نحو منطقة عسكرية شديدة الحراسة دون أن ترصدها أجهزة الرصد والاستخبارات. وسواء كان الأمر يتعلق بـ “تغاضٍ تكتيكي”—عززته العرقلة القانونية الأخيرة بشأن الإعادة الفورية—أو بخلل عملياتي جسيم، فإن الرسالة الموجهة إلى مدريد واحدة: أمن الجيبين يخضع لورقة ضغط أمنية بيدي الرباط، تحركها وحدها وفقاً لأولوياتها السياسية. في الساعات الأولى، أتاحت إدارة الأزمة بين وزيري داخلية البلدين تنظيم عمليات الإعادة وتجنب مواجهة دبلوماسية علنية. لكن رد الفعل الطارئ هذا لا يبدد القلق العميق الذي يتسلل الآن حتى إلى الأوساط الإسبانية الداعمة تاريخياً للعلاقة مع المغرب. لا يمكن لشراكة أمنية أن تصمد بشكل دائم إذا كانت تعتمد على شريك يُشتبه في استغلاله لنقاط ضعف جاره.


المأزق السياسي لسانشيز وحسابات اليمين


قطع العلاقة مع المغرب ليس خياراً واقعياً لإسبانيا، فالرباط تظل شريكاً لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب، والتجارة، وإدارة تدفقات الهجرة بشكل عام. لكن على الصعيد الداخلي، أصبحت التكلفة السياسية باهظة على بيدرو سانشيز. وفي مواجهة أغلبية برلمانية هشّة للغاية، تتعرض الحكومة لهجمات متكررة من المعارضة. ومع ذلك، فإن موقف الحزب الشعبي (PP) يظل كاشفاً عن إكراهات الواقعية السياسية (الريالبوليتيك). فبينما يهاجم اليمين “ضعف” سانشيز، فإنه يحافظ على حذر مدروس تجاه المغرب، إذ تذكر أزمات الماضي النخبة السياسية بأن أي حكومة في مدريد، بمجرد وصولها إلى السلطة، محكوم عليها بالتعايش مع الجوار الجيوسياسي للرباط.


قام الرهان الإسباني عام 2022 على فرضية مفادها أن الاعتماد المتبادل اقتصادياً وأمنياً سيمحو الخلافات التاريخية. غير أن الترابط لا يعني بالضرورة تقارب الأهداف؛ فالمغرب لم يتخلَ يوماً عن مطالبه بسبتة ومليلية اللتين يعتبرهما ثغوراً وجب استعادتها مستقبلاً. وفي هذا الملف بالتحديد، ينعدم هامش المناورة لدى الإسبان، إذ تخضع السيادة على المدينتين لإجماع سياسي وشعبي مطلق يتجاوز الانقسامات الحزبية. وهنا تكمن المعضلة الكبرى وسياسة الطريق المسدود لسانشيز: لقد تنازل عن الورقة التفاوضية الأبرز لبلاده (ملف الصحراء) دون القدرة على تقديم أدنى تنازل بشأن سبتة ومليلية في حال حدوث أي ضغط جديد.


التأثير العكسي: نحو إنهاء المواجهة الثنائية المباشرة؟


على المدى البعيد، قد تؤدي المبالغة في استخدام ورقة الهجرة إلى نتائج عكسية تضر بالأهداف الاستراتيجية للمغرب نفسه. فمن خلال الإفراط في استخدام وسيلة الضغط هذه إلى حد التسبب في توترات متتالية داخل منطقة شنغن، يخاطر المغرب بتسريع نهاية “السذاجة الأمنية” الإسبانية ودفع مدريد للحد من هشاشتها الميدانية عبر تعزيز القدرات الذاتية لحماية حدودها. تُجبر هذه الدينامية إسبانيا بالفعل على قبول “أوربة” تدريجية لإدارة ملف سبتة ومليلية. إن الانخراط المتزايد لوكالة “فرونتكس”—والذي يشكل خطاً أحمر حساساً بالنسبة للرباط—وتدخل الاتحاد الأوروبي أمام الطوارئ الإنسانية الشاملة، يحرمان المغرب من الحوار الثنائي الحصري الذي طالما حرص على بقائه لممارسة موازين القوى.


تسقط أزمة سبتة أوهام السلام الدبلوماسي مقابل التنازلات: التنازلات لا تضمن الاستقرار الحدودي. ولن يقتصر التحدي الحقيقي أمام بيدرو سانشيز—أو من يخلفه—على صيانة تعاون حيوي مع جار قوي، بل يتعداه إلى بناء أدوات استراتيجية ومؤسسية تحمي القرار الإسباني من أن يظل رهينة للابتزاز.

Partager cet article