و في كواليس أروقة البرلمان وخارجه، رُبطت الدعوة باجتماع المجلس الأعلى للأمن، وبزيارة وزير خارجية النيجر إلى الجزائر ولقائه وزير الدفاع ورئيس الأركان ثم الرئيس. ووُقّع اتفاق عسكري جديد خلال زيارة وزير الدفاع النيجري، وأكد الجيش الجزائري استعداده لتقديم أي دعم عسكري مطلوب.
الدستور والنيجر: ما الذي يسمح به النص؟
تنص المادة 30 من دستور 2020 على امتناع الجزائر عن الحرب للمساس بسيادة الشعوب الأخرى. وتجيز الفقرة الثانية من المادة 31 المشاركة «في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية» في عمليات حفظ السلام واستعادته. أما المادة 91 فتجعل قرار الإرسال بيد رئيس الجمهورية بعد مصادقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان. ومعنى ذلك أن أي انتشار خارجي جديد لا يمكن أن يتم من دون هذا الاجتماع أو ما يماثله.
وفي 30 أوت 2026، أعلنت وزارة الدفاع إرسال أربع مقاتلات «سوخوي سو-30» إلى نيامي بطلب من القيادة النيجرية، بعد محاولة لزعزعة الاستقرار جرت ليلة 28-29 أوت في قاعدة 101 الجوية. و أرسلت الجزائر طائرات «سوخوي» وطائرة نقل «إيل-76» وطائرة تزويد بالوقود «إيل-78». ووُصفت المهمة بأنها أول مهمة معلنة تتضمن إرسال قوة قتالية جزائرية إلى دولة أخرى. وكانت الجزائر قد سلّمت نيامي في مطلع أوت أربع مروحيات ومعدات. وفي مقابلة مع إعلام محلي في بداية أكتوبر، قال تبون إن البعض «تمادى»، وإن الأمر «استفزاز لنا.. وأنا أيضاً سأرسل طائرات، ومرحباً رأسي برأسك»، دون أن يحدد من يقصد. وقال شنقريحة إن الجزائر لا تتعامل مع أزمات الساحل كفاعل خارجي بل كشريك أصيل. وتبقى المفارقة القانونية هنا مرتبطة بالانتشار في النيجر جرى بطلب ثنائي، لا في إطار إحدى المنظمات الثلاث التي يذكرها النص وقد يكون اجتماع غرفتي البرلمان فرصة الجزئيات الدستورية.
من 1967 إلى 2026: ذاكرة الحروب، «لا» اليمن، والقطيعة مع أبوظبي
بعد هزيمة 1967، أرسل الرئيس هواري بومدين قوات إلى مصر وصلت بعد توقف القتال، وبقيت خلال حرب الاستنزاف ضد الاحتلال الإسرائيلي. وفي أكتوبر 1973 شاركت وحدات جزائرية على الجبهة المصرية، وهي آخر مشاركة خارجية معروفة قبل 2026. وتتحدث الروايات المتداولة عن لواء مدرع بنحو 150 دبابة وأسراب مقاتلات وبضعة آلاف من الجنود. وبعد انطلاق «عاصفة الحزم» في 26 مارس 2015، أيّدت قمة شرم الشيخ يومي 28 و29 مارس تشكيل قوة عربية مشتركة، فتمسكت الجزائر بعقيدتها ودعت إلى الحل السياسي. وعُبّر عن الموقف عبر وزارة الخارجية أنذاك برئاسة رمطان لعمامرة، لأن بوتفليقة كان مريضاً. ولم تنضم الجزائر كذلك إلى «التحالف الإسلامي العسكري» الذي أعلنته الرياض في ديسمبر 2015.
وبعد النيجر، جاءت الأزمة مع الإمارات. ففي 10 سبتمبر 2026 قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي بعد «استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية»، وأمهلت السفير الإماراتي 48 ساعة للمغادرة. ثم أغلقت أجواءها اعتباراً من 11 سبتمبر أمام كل الطائرات المرقمة بدولة الإمارات، المدنية والعسكرية، مع استثناء الرحلات التجارية من وإلى مطار هواري بومدين حتى نهاية 2026. ولم يكشف البيان تفاصيل الأعمال التي وصفها بالعدائية، لكن أوساطاً جزائرية تتهم الإمارات بدعم حركات انفصالية مثل «ماك». وأعلنت أبوظبي أملها أن يكون القرار مؤقتاً، وأكد تبون لاحقاً أنه لن يتراجع، وقال إن «الموس وصل للعظم».
وكانت الإمارات قد أعلنت اتفاقها مع إسرائيل في 13 أوت 2020، ووقّعت «اتفاقيات إبراهيم» في واشنطن في 15 سبتمبر 2020، لتصبح أول دولة خليجية تفعل ذلك، قبل أن يلحق بها المغرب في ديسمبر من العام نفسه. وقطعت الجزائر علاقاتها مع الرباط في 24 أوت 2021. ويقرأ بعض المحللين المشهد على أنه انتقال من مواجهة مباشرة مع إسرائيل، كما في 1967 و1973، إلى مواجهة غير مباشرة مع حلفائها العرب المطبّعين. غير أن الجزائر لم تربط قطيعتها مع أبوظبي رسمياً بل بطبيعة سياسيتها الخارجية خاصة في المناطق الحيوية للسياسة الخارجية الجزائرية وفي محيطها الإقليمي. والثابت أن الجيش الذي رفض اليمن عام 2015 صار اليوم يتحرك خارج حدوده، بغطاء دستوري ينتظر ما سيقرره البرلمان يوم الأحد.



