شهدت العملية الاستثنائية لتسوية الأوضاع، والتي أطلقتها إسبانيا في أفريل الماضي، محطة تاريخية يوم الثلاثاء 30 جوان ، وهو اليوم الذي انتهت فيه المهلة الممنوحة للأجانب المقيمين بطرق غير نظامية لإتمام إجراءاتهم. وأعلن رئيس الوزراء الاشتراكي، بيدرو سانشيز، أن عدد الطلبات المقدمة تجاوز المليون، وهو ضعف التقديرات الأولية التي وضعتها حكومة مدريد.
ويجعل هذا الرقم من العملية الحالية الأضخم في تاريخ البلاد، متجاوزة بفارق كبير عملية عام 2005 التي قادتها حكومة الاشتراكي خوسيه لويس رودريغيث زباتيرو، والتي شملت حينها ما يزيد قليلاً عن 576 ألف مهاجر. قد تشمل عملية تسوية الأوضاع هذه ما يقرب من 18 ألف جزائري من بين المستفيدين. وأمام السلطات الإسبانية الآن مهلة ثلاثة أشهر لفحص الملفات وإصدار تصاريح إقامة وعمل تكون صالحة حصرياً داخل التراب الإسباني. وترى الحكومة في هذا المخطط “خطوة رئيسية لإخراج واقع ملموس يعيشه مئات الآلاف في بلادنا من دائرة الخفاء”.
الرهان الاقتصادي في مواجهة الجدار الديموغرافي
بفتحها الباب أمام تسوية الأوضاع، أظهرت حكومة بيدرو سانشيز شجاعة سياسية واضحة مقارنة بالتوجهات المناهضة للمهاجرين، بل والعدائية أحياناً، والتي تهيمن على المشهد الأوروبي. ومع ذلك، لم تكن هذه الخطوة نابعة من دافع إنساني بحت، بل جاءت استجابة لمنطق محاسبي وبراغماتي؛ فإسبانيا التي تواجه “شتاءً ديموغرافياً” خانقاً يهدد أنظمة الحماية الاجتماعية فيها، اختارت الادماج عبر بوابة العمل.
تبدو التوقعات الماكرو-اقتصادية التي ترفعها الحكومة حاسمة في هذا الصدد؛ فبدون مساهمة المهاجرين، قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي لإسبانيا بنسبة 19% بحلول عام 2050 وبنسبة 22% بحلول عام 2075. وفي بلد يتمتع حالياً بانتعاش اقتصادي لافت ــ حيث رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) توقعات النمو لعام 2026 إلى 2.2%، وهو ما يقرب من ثلاثة أضعاف متوسط منطقة اليورو ــ يُنظر إلى العمالة الأجنبية من قبل أرباب العمل والحكومة كوقود لا غنى عنه لقطاعات حيوية مثل الزراعة، والسياحة، والبناء.
“خطة اندماج” في مواجهة التشنجات الهوياتية
تحسباً للتوترات المرتبطة بالاستقبال، أعلن رئيس الحكومة عن “خطة للاندماج والمواطنة” خُصص لها مبدئياً أكثر من 500 مليون يورو. ويهدف هذا البرنامج إلى تعزيز الخدمات العامة وتمويل برامج تدريب مهني وتعليم اللغات الرسمية للأقاليم الإسبانية.
ومع اعترافه بأن “العيش المشترك لا يخلو من التوترات”، شدد بيدرو سانشيز على أن الاندماج يقوم على قواعد مشتركة وواضحة في إسبانيا، متمثلة في: “القيم الديمقراطية، المساواة بين الجنسين، حقوق الأقليات، حرية التعبير، علمانية الدولة، واحترام القانون”. واغتنم رئيس الوزراء كلمته ليوجه سهام نقده إلى الحزب الشعبي (PP، يمين) وتيار “فوكس” (Vox، يمين متطرف)، متسقاً إياهم بـ “تغذية مشاعر الخوف” و”إشاعة خطاب كراهية الأجانب”.
نهاية “الاستثناء الإسباني”؟
تمثل هذه التسوية السابعة منذ عودة الديمقراطية إلى إسبانيا تحولاً سياسياً جوهرياً. فلطالما شكلت البلاد استثناءً في أوروبا من خلال الحفاظ على إجماع نسبي بشأن استقبال المهاجرين، وهو إرث مرتبط بتاريخها الخاص كبلد هجرة في الماضي. والجدير بالذكر أن المبادرة الحالية ولدت من القواعد الشعبية، عبر “مبادرة تشريعية شعبية” (ILP) جمعت 700 ألف توقيع، وكانت عابرة للأحزاب في بدايتها.
لكن المناخ السياسي شهد تغيراً جذرياً؛ إذ يخوض الحزب الشعبي (اليمين المحافظ) معركة شرسة لإسقاط حكومة بيدرو سانشيز، مما دفعه إلى التقارب والتماهي بشكل متزايد مع أطروحات حزب “فوكس” اليميني المتطرف. وفي العديد من الحكومات الإقليمية، احتاج الحزب الشعبي إلى دعم “فوكس” لإدارة الأقاليم، متبنياً في المقابل شعار “الأولوية الوطنية” الذي يرفعه حليفه. ومع الدعم الذي توفره وسائل إعلامية ذات توجهات حزبيّة صارخة، قفزت قضية الهجرة في غضون ثلاث سنوات فقط من المرتبة الحادية عشرة إلى المرتبة الثالثة ضمن الانشغالات الرئيسية للإسبان، لتأتي مباشرة بعد أزمتي السكن والبطالة.
مقاومات الظل: البيروقراطية والتحفظات الأوروبية
على أرض الواقع، يصطدم المسار الإداري بحقائق أقل سلاسة مما تبشر به الخطابات الرسمية. إذ تندد المنظمات غير الحكومية والتكتلات المدافعة عن حقوق المهاجرين بوجود “عنق زجاجة” وتكدس إداري؛ حيث أدى التدفق الهائل للطلبات إلى شلل في مكاتب شؤون الأجانب (Extranjería). وتسبب هذا النقص الحاد في المواعيد الإدارية في نشوء سوق سوداء لإعادة بيع المواعيد (citas)، مما أضر بالفئات الأكثر هشاشة من المتقدمين.
أما على المستوى الأوروبي، فإن التحفظات والمقاومات تبدو أكثر وضوحاً، وإن كانت تُدار خلف الكواليس. باختيارها طريق التسوية الجماعية الشاملة، تغرد إسبانيا خارج السرب وتتخذ اتجاهاً معاكساً لسياسات التعاقد وإغلاق الحدود الخارجية التي تروج لها بروكسل.
أمام الإدارة الإسبانية الآن ثلاثة أشهر لمعالجة جبل الملفات هذا. وإذا كانت هذه الخطوة تساهم في إعادة ضبط مؤشرات الهجرة السرية على المدى القصير، فإنها تبقي على السؤال الجوهري المتعلق بالإدارة الهيكلية لتدفقات المستقبل معلقاً. بالنسبة لإسبانيا، كما هو الحال بالنسبة لبقية دول حوض المتوسط، يظل التحدي قائماً: صياغة نموذج للهجرة يوازن بين المعايير الأخلاقية، والاحتياجات الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي.
الاستثناء الإسباني في مواجهة التشدد الأوروبي: تسوية تاريخية لأوضاع مليون أجنبي
بينما يتحصن الاتحاد الأوروبي وراء "الميثاق الجديد للهجرة واللجوء"، أنجزت إسبانيا أسدلت إسبانيا الستار، يوم الثلاثاء 30 جوان، على أكبر عملية استثنائية لتسوية الأوضاع في تاريخها الحديث. غير أن شجاعة الحكومة وبراغماتيتها تصطدمان اليوم بعداء علني من اليمين ومعارضة صامتة من بروكسل.

Partager cet article

