بات المُواطن الجزائري الراغب في السفر، نحو أوروبا تحديداً، أمام خيارات أحلاها مر : إما الانتظار أشهراً في طوابير افتراضية لا تنتهي للحصول على موعد تأشيرة، وإما فتح جيوبه أمام شبكة وسطاء باتت تعمل على مرأى من الجميع، وإما الإقدام على رحلة في قلب البحر بحثاً عن غد أفضل. وفي كل الأحوال، ثمة من ينتظر في الظل ليقتطع حصته من اليأس.
سوق موازٍ يعمل بلا رادع
ورصد موقع “مغراب إيميرجنت” ما يتم تداوله في الفضاء الرقمي والأسواق غير الرسمية، من تعليقات “اليأس” يفوح برائحة “ابتزاز مفضوح”. فالحصول على موعد لتقديم طلب تأشيرة شنغن لأول مرة لم يعد متاحاً مجاناً؛ إذ يُقدَّر ثمنه بنحو 20 مليون سنتيم، فيما قد تبلغ قيمة التأشيرة الجاهزة ذاتها 250 مليون سنتيم.
أرقام مذهلة تفوق في بعض الأحيان الراتب الشهري لموظف في القطاع العام لمدة تزيد على السنة. وتشير مصادر متداولة على نطاق واسع في الأوساط الشعبية إلى أن توقيف الموظفة في القنصلية الإسبانية بوهران لم تضع حداً لهذه المهزلة، رغم أن وزارة الخارجية الإسبانية فتحت تحقيقاً رسمياً في الملف. غير أن المتابعين للقضية يرون أن التحقيق لم يُفضِ حتى اللحظة إلى أي تغيير ملموس، بينما يواصل الوسطاء نشاطهم بلا توقف.
رغم اعلان القضاء الفرنسي توقيف وكيل جزائري ومسؤول سابق في السفارة الإسبانية بالجزائر، وبيع تأشيرة عائلية مقابل 25 ألف أورو، إلا أن “الابتزاز” لا يزال ينخر جيوب الجزائريية في صمت.
حين يصبح البحر بديلاً
أمام إغلاق الأبواب الرسمية، تحوّل كثير من الشباب الجزائري نحو مسلك آخر لا يقل خطورةً. فسعر رحلة الهجرة غير النظامية نحو السواحل الإسبانية على متن ما يُعرف بـ”قارب السريع” بلغ وفق ما يتداوله الشارع 200 مليون سنتيم؛ رقم يكشف حجم الاقتصاد الموازي الذي نمّاه الإقصاء عن مسالك السفر القانونية، والمرتبط دون شك بشبكات إجرامية خطيرة. والمفارقة الصارخة أن المبلغ ذاته الذي يدفعه شاب لركوب قارب مجهول المصير يفوق أحياناً ما تُكلّفه تأشيرة قانونية، لو أن المنظومة الرسمية كانت في متناول الجميع.
الأرقام الفرنسية: تراجع موثّوق في انتظار تجاوز الأزمة الدبلوماسية
على الجانب الفرنسي، لا تبدو الصورة أفضل حالاً. منذ الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين الجزائر وباريس خلال السنتين الماضيتين، تراجعت نسب منح التأشيرة الفرنسية للجزائريين تراجعاً ملحوظاً. وقد كانت فرنسا تمنح سنوياً ما يزيد على 300 ألف تأشيرة للجزائريين، قبل أن تشهد هذه الأرقام تذبذباً حاداً إثر قرار باريس تقليص الحصص رداً على مواقف جزائرية في ملف إعادة المهاجرين المرفوضين.
وتُشير إحصاءات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بفضاء شنغن إلى أن الجزائر تتصدر باستمرار قوائم الدول الأكثر تقدماً بطلبات التأشيرة، وفي الوقت ذاته من الأعلى في معدلات الرفض؛ ما يخلق فجوة موضوعية تجد فيها شبكات الوسطاء والمهربين بيئتها الخصبة.
المنظومة أمام مرآة المسؤولية
يطرح المشهد برمّته تساؤلاً جوهرياً، إدراياً ودبلوماسياً : هل تفتقر القنصليات للرقابة الداخلية الفعّالة ؟ المنظومة الأوروبية التي تُحكم قبضتها على فضاء شنغن، هل تتعمد التعسف في تطبيق معاييرها؟ أم الخلل في غياب شبه التام للدبلوماسية الجزائرية في معالجة هذا الملف على مستوى المفاوضات الثنائية؟ في غياب إجابات واضحة، يواصل الجزائري البحث عن بوابة للخروج — شرعية كانت أم سرية — في حين تواصل شبكة المتاجرة بالأحلام جني أرباحها، من الموعد الأول حتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط.


