أنهت الانتخابات التشريعية الأخيرة، حلم تجديد الطبقة السياسية الذي إنطلق الرئيس عبد المجيد تبون في تنفيذه ميدانيا، عبر ترسانة من الاجراءات والقوانين التي تعطي للمجتمع المدني دورا محوريا في الحياة السياسية الوطنية.
فبراير إلى جوان 2021: وعد “الدم الجديد”
نقطة الانطلاق كانت في أعقاب الحراك الشعبي. تبون يحل المجلس الشعبي الوطني ويدعو إلى تشريعيات مسبقة. و حينها إنتقد في محتلف حواراته في الصحافة الأجنبية أو تلك الحوارات التلفزيونية التي يعقدها دوريا مع وسائل الاعلام الوطنية، الأحزاب وقال أنها لا تمثل مجموعة أكثر من ربع الهيئة الناخبة.
كما نال حزب جبهة التحرير الوطني حقه من إنتقادات الرئيس تبون، الذي أعلن صراحة أن الأفالان الذي ينتمي إليه إختار مرشحا آخر في رئاسيات 2019. وزيادة على ذلك، فإن الحزب الواحد السابق وغريمه الأرندي إرتبط بشكل مفرط بعهد بوتفليقة. الأمر الذي أدى إلى إبقائهما بعيدا عن اللقاءات الأولى التي عقدها تبون مع الأحزاب،
وكان من المفترض أن تجسد تشريعيات 12 جوان 2021 هذه القطيعة، ووعد تبون ببرلمان يتشكل من ثلاثة أرباع شباب من المجتمع المدني. وكنتيجة لهذه الرغبة وصل عدد القوائم المستقلة غلى 1253 قائمة، مقابل 1237 قائمة حزبية. لكن نتائج الانتخابات لم تحمل نفس الزخم، حيث أفرزت 84 نائبا حرا، وإحتلت الكتلة البرلمانية للأحرار بذلك المرتبة الثانية وراء كتلة الأفالان.
تصدع وعد المجتمع المددني
حضور النواب الأحرار سرعان ما كشف حدوده: عدد كبير من هؤلاء المنتخبين “المستقلين” لم يكونوا كذلك إلا بالاسم، إذ التحق كثير منهم لاحقًا بكتل برلمانية أو تبين ارتباطهم بشبكات مالية. في أوت 2023، تغير خطاب الرئيس تبون الذي أضحى يرى ظل العصابة السابقة في شبكات المجتمع المدني التي تشكلت عبر مختلف هياكل االمجتمع المدني التي نصبها. الأمر الذي دفعه لاجراء عدة تغييرات في هذه الهياكل، بدا بتغيير رئيس المرصد الوطني للمجتمع المدني.
وفي تعديلات قانون الانتخابات الذي صدر قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة، تغيرت الأولويات ولم يعد الأمر يتعلق بفتح الولوج إلى البرلمان، بل بتأمينه. وكان أول ضحايا المادة 200 من قانون الانتخابات، هم النواب الذين صادقوا عليها، حيث رفض ترشح حوالي نصف عدد نواب العهدة السابقة. في حسن تم إعتماد شروط جديدة لدعم الحملة الانتخابية الخاصة بالشباب الذين يتشرحون في قوائم حرة، وكانت هذه الشروط من بين العوامل التي ساهمت في تقليص عدد القوائم الحرة التي تم تقديمها قبل أن تبدا عملية غربلة المتشرحين.
وكنتيجة لهذا التوجه تقلص عدد قوائم الأحرار في الانتخابات التشريعية الأخيرة إلى بـ125 قائمة، مقابل 613 قائمة تحملها 32 حزبًا سياسيًا.
جويلية 2026: نهاية الحلم
جرى الاقتراع في أجواء امتناع أكثر حدة (20.79%، مقابل 23% في 2021، وهو مستوى قد يكون الأدنى تاريخيًا على الإطلاق ). وتراجعت حصة الأحرار بشكل لافت، حيث نزل عدد المقاعد هذه الكتلة إلى 32 مقعدا، خلف الأفالان والأرندي وجبهة المستقبل ةحمس وحركة البناء.
ويكشف سقوط ورقة المجتمع المدني في تشريعيات 02 جويلية مجددا، إستحالة إعادة رسم الخارطة السياسية بقرارات فوقية. وهو نفس السيناريو الذي حدث سابقا مع فوز الأرندي بالأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان عام 1997، بعد ثلاثة أِشهر من تأسيسه. وأعيدت نفس العملية مع حزب “تاج” الذي أسسه الوزير الأسبق عمار غول والذي فاز في هذا الموعد التشريعي الجديد بمقعدين إثنين فقط، وقد يتكرر نفس السيناريو في المستقبل مع الأحزاب الناشئة التي تحتل الواجهة السياسية بعصا سحرية حاليا


