دعم النيجر عسكرياً: تخوّف مشروع.. لكن ترك الساحل للآخرين أخطر وأكثر كلفة

حين صوّت برلمان شرق ليبيا بالإجماع في 20 أكتوبر على المذكرة البحرية التي رفضها ست سنوات، لم يكن ذلك تفصيلاً ليبياً داخلياً. فقد صار بوسع أنقرة أن تقول إن ليبيا كلها تدعم مطالبها البحرية، كما علّق المحلل الليبي، أنس القماطي، على ذلك. وقد يفتح ذلك الباب أمام تنقيب أوسع شرق جزيرة كريت. وهو أحدث حلقة في حضور تركي يتمدد في القارة، ويطرح على الجزائر سؤالاً: هل تترك الفراغ في الساحل وليبيا لغيرها، أم تتحرك بما يخدم أمنها ومصالحها؟

6 min de lecture
البرلمان الجزائري بغرفتيه على موعد غداً للمصادقة على اتفاق التعاون العسكري مع النيجر.
Ajoutez Maghreb Émergent sur Google pour trouver du contenu similaire

بنت أنقرة حضورها في ليبيا على مراحل. بدأت بمذكرة 2019 مع حكومة الوفاق في طرابلس، ثم بمذكرة عام 2022 للمحروقات. وفي جوان 2025 وقّعت شركة النفط التركية TPAO اتفاقاً مع المؤسسة الوطنية للنفط لإجراء مسوح زلزالية في أربع مناطق بحرية. وفي فبراير 2026 حصلت TPAO على تراخيص جديدة، منها منطقة بحرية قبالة بنغازي مساحتها نحو 10,300 كيلومتر مربع. ثم جاء في جوان اتفاق مع كونسورتيوم تملك فيه TPAO وشركة ريبسول الإسبانية 40 بالمئة لكل منهما، إلى جانب MOL وإيني وقطر للطاقة. أما الشرق، فقد رأت تقارير أن أنقرة تسعى لإحياء عقود إنشاءات متوقفة بمليارات الدولارات، وأعادت الرحلات المباشرة إلى بنغازي.

الساحل: سلاح بلا شروط ووصول إلى الموارد

في الساحل تقدّم تركيا صفقات سلاح سريعة بكلفة معقولة. فمالي تملك 17 طائرة بيرقدار TB2 على الأقل، إضافة إلى طائرات أقنجي، وأسطول النيجر يضم ست طائرات TB2 وخمس كارايل وأقسونغور. وفي المغرب عقد بقيمة 70 مليون دولار لـ13 طائرة TB2، ثم انتقل المغرب من الشراء إلى التصنيع، إذ يُبنى فيه مصنع لبيرقدار منذ 2024. وتربط تحليلات هذا الانتشار بالموارد، ففي مالي يُقال إن شركات تركية حصلت على امتيازات ذهب كانت بيد مصالح أوروبية. وفي النيجر وقّعت أنقرة وثيقة تعاون أولية لتمكين شركاتها من التنقيب على اليورانيوم بعد سحب المجلس العسكري تراخيص شركات فرنسية وكندية. ومن الدقة القول إن تركيا كانت من بين المشترين المحتملين لليورانيوم النيجري.

تخوف الجزائريين: مشروع ولا يُستخف به

وسط هذا الربح التركي الكبير، يصبح التخوف الجزائري مفهوماً، إذا لم يقترن بمصلحة إقتصادية تترجم بتوقيع مذكرات وعقود إقتصادية. فقد أرسلت الجزائر نهاية أوت أربع مقاتلات سو-30 إلى نيامي بعد محاولة انقلابية ليلة 28-29 أوت في قاعدة جوية، وهي أول مهمة معلنة لقوة قتالية جزائرية خارج حدودها، وسبقتها مروحيات في بداية الشهر نفسه. وفي 21 أكتوبر وُقّعت مذكرة للتعاون العسكري مع النيجر ولم تُكشف تفاصيلها. أما الكلفة فتسأل عنها الأسرة الجزائرية أولاً. تشير المعطيات الرسمية إلى أن احتياطي الصرف بلغ 67.8 مليار دولار، أي نحو 14 شهراً من الواردات، لكن تغطية الواردات تراجعت إلى نحو 12.3 شهراً في 2025. وفي مارس قفزت أسعار الخضر الطازجة 36.8 بالمئة على أساس شهري، وتحدثت الحكومة عن غلاف بـ717.7 مليار دينار لدعم المواد الأساسية في مشروع قانون المالية 2027. وإلى ذلك تتحمل ميزانية الدولة كامل تمويل شطر المنيعة–تمنراست البالغ 1080 كلم. هذه معطيات تجعل أي إنفاق خارجي موضع مساءلة مشروعة.

ربط الدعم العسكري بالمصلحة الإقتصادية ضروري

يطرح الكثير سؤالاً مشروعاً، ليس هل تنفق الجزائر في الساحل، بل هل تنفق دون عائد. وحجتهم الأولى هي الغاز. فأنبوب نيجيريا–النيجر–الجزائر يمتد 4,128 كلم، منها 841 كلم في النيجر و2,310 في الجزائر، بقدرة 20 إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً وتكلفة قد تتجاوز 13 مليار دولار. وكان المشروع قد اهتز عندما أعلنت النيجر انسحابها في 2025، ثم عادت إليه مطلع 2026 بعد استئناف العلاقات. ومن هنا الربط ، ما دام أكثر من 800 كلم من الأنبوب في أرض النيجر، فاستقرار نيامي شرط لاستثمار جزائري بمليارات، والدعم العسكري يصبح تأميناً لهذا الاستثمار. وتدعم هذا المنطق أمثلة أخرى، منها إيفاد خبراء من سوناطراك لمساعدة النيجر في احتواء ثوران بئر نفطية، ومحطة كهرباء دُشنت في النيجر بدعم مالي وتقني جزائري. وعلى هذا يمكن للجزائر أن تعوّض ما تنفقه.

أما اليورانيوم، فالنيجر ثامن منتج في العالم، وبعد خروج أورانو تردد أن نيامي أبرمت اتفاقاً مع روساتوم لـ1000 طن. وعليه فإن الجزائر، بحكم الجوار والبنية التحتية وقدرتها على تأمين الممرات، قادرة على التفاوض على نصيب من هذه السوق. لكن لا يوجد اتفاق معلن بهذا الشأن، وهي إمكانية تحتاج إلى مفاوضات وليست واقعاً.

التاريخ والمنافسة و لماذا الجزائر أولى

يربط كثير من الجزائريين بين تداعيات فتح المجال الجوي أمام الطائرات الفرنسية في جانفي 2013 وهجوم تيقنتورين بعد أيام. كما تحدثت تقارير صحفية غربية عن فدى دفعتها عواصم أوروبية للجماعات المسلحة، وهو ما نفته باريس، ودفعت الجزائر طويلاً نحو تجريمها. والمعنى أن للجزائر مصلحة أمنية مباشرة لا تتوافر للقوى البعيدة. وهو ما عبّر عنه رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي ، فريق أول سعيد شنقريحة ، بقوله إن أمن دول الساحل مرتبط بالأمن القومي للبلاد.

وفي المقابل يزدحم المشهد بالمنافسين. فقد قطعت الجزائر علاقاتها مع أبوظبي في 10 سبتمبر 2026. وتستضيف ليبيا ومالي أكبر الانتشارات الروسية في إفريقيا، ومنها نحو 2,500 عنصر في مالي بحسب تقارير مطلع 2026، وقد أعرب مسؤولون في الجزائر وغانا عن قلقهم من هذه الانتشارات. وبين تركيا التي تبيع السلاح والخبرة، وروسيا التي تقدم قوات، وأبوظبي التي تموّل، تملك الجزائر جيوسياسياً ما لا تملكه هذه الأطراف، حدود مشتركة وبنية طاقوية قائمة وارتباطاً أمنياً مباشراً. وهذا ما يجعلها، الشريك الأنسب لدول المنطقة.

فالنيجر رغم ضعفها في مواجهة التنافس الدولي ، والسعي لفرض استقرارها الأمني الداخلي تحديداً، تعمد على تنوّع شركاءها بين موسكو وأنقرة وغيرها ، ولا ضمانة أن يبقى الدعم الجزائري سبباً للولاء. وتفاصيل البروتوكول العسكري ومدته وكلفته غير معلنة، ومن حق الجزائريين، رغم أن القوانين تمنع الخوض في المسائل الأمنية الحساسة. لكن لا بأس القول لأن نجاح الرهان يتوقف على أن تعود الاستثمارات من غاز وكهرباء ومعادن بأكثر مما يُنفق، يحسن الوضع الإقتصادي الإجتماعي الجيو سياسي للبلاد.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article