رأي – ذلك الصيف البائس الذي تستحضر فيه الجزائر شياطينها القديمة

4 min de lecture
هذا النقاش البائس في هذا الصيف البائس يبعدنا عن ذلك الطموح الكبير الذي حمله الحراك: إخراج البلاد من النقاشات الفارغة، والذهاب أخيراً إلى صلب القضايا

لم يكن ينقص هذا الصيف السياسي البائس سوى «سياسي» واحد لتأكيد المخاوف من صيف سياسي بالغ السوء، يعيدنا فيه تكريس الوضع القائم إلى انتكاسات قاتلة.

وقد تكفّل عبد الرزاق مقري بذلك، بعدما كان قد أعطى في وقت من الأوقات انطباعاً ــ أو وهماً ــ بإمكانية أن يكون إسلامياً قادراً على تجاوز العصبيات القديمة، وذلك في منشور على فيسبوك حمل نبرة مألوفة، ومؤسفة، من خطاب «التخوين». على مواقع التواصل الاجتماعي، وبمناسبة أحداث انتهت بتداعيات قضائية، عادت بقوة تلك الاستقطابات القديمة ــ والمُكرَّسة منذ زمن ــ بين الإسلاميين والعلمانيين.

وبالنسبة إلى الذين عاشوا آمال أكتوبر 1988، ثم خيبات الأمل التي ولّدها مسار ديمقراطي أُجهض، والانزلاق إلى سنوات الدم، فإن ما يجري ليس سوى إعادة إنتاج لمشهد قديم. بل إعادة إنتاج سيئة جداً، تندرج في إطار التكرار المأساوي والبائس للوضع القائم. في 2026، تواجه الجزائر مشاكل جدية. مشاكل اقتصادية لا تملك حلولاً «تقنية»، بل حلولاً سياسية. والعالم الذي تغيّر بصورة عميقة يفرض البحث عن هذه الحلول في إطار نقاش مفتوح.

الجزائر بحاجة إلى التفكير في منظومتها التعليمية وإصلاحها، من دون اختزال هذا الإصلاح مجدداً في السؤال الأبدي والزائف حول اللغات. وهي بحاجة أيضاً إلى التفكير في تنظيم دولة تجمع بين مفارقة كونها شديدة البيروقراطية، وفي الوقت نفسه تترك البلاد ــ بلادنا الكبيرة ــ تعاني من نقص فادح في الإدارة والحضور المؤسساتي. إنها قضايا ثقيلة وخطيرة. ولا يمكن فرض حلولها بمرسوم، بل ينبغي بناؤها في إطار مفتوح وحر. وهي، بطبيعة الحال، تمس مصالح قائمة وعادات وأنماطاً من التفكير والعمل تحولت إلى دوران في الفراغ.

هذا هو «الموضوع» منذ أكتوبر 1988.

وهو الموضوع الذي ظل الرد عليه، بصورة صريحة أو غير واعية، يتمثل باستمرار في الحفاظ على الوضع القائم، ولو أدى ذلك إلى ترك البلد الحقيقي يبتعد أكثر فأكثر عن البلد الرسمي. أما الاستقطابات بين الإسلاميين والعلمانيين، أو بين «الفرنكوفونيين» و«المعربين»، فمن الصعب مواجهتها بعقلانية. فهي تتغذى من تجربة مأساوية، ومن خوف جرى تكريسه، ومن عجز عن خوض نقاش سياسي حاد، لكنه جاد. إنها الإشارات السريرية والمرضية للوضع السياسي القائم.

في صيف 2026، الحار والملتهب، تضج مواقع التواصل الاجتماعي ــ وهي المكان الوحيد الذي يبدو أن «السياسة» ما زالت مسموحة فيه ــ بخطابات سبق أن سمعناها وقرأناها. وهكذا تُطالب «السلطة» بخنق الخصم، ويُوسَم هذا الأخير بالخيانة. وسرعان ما يُنسى أن الجميع خاسرون في عملية تحييد النقاش السياسي الحر عبر إطلاق صفة «الخيانة» على الخصوم، على غرار ما فعله مقري في حملته الأخيرة.

ما جدوى هذه الحملة؟ لا شيء.

أو بالأحرى، إنها تمنح الذريعة لأولئك الذين يقولون إن المجتمع غير مستعد لأي تطور سياسي ذي معنى، وإنه يحتاج إلى من يقوده بالقوة. أي، في المحصلة، مواصلة الشكل نفسه من الحكم الذي يمنع البلاد من التقدم.

الوضع القائم هو الدين الرسمي للنظام الجزائري ــ ولدى معارضيه الزائفين أيضاً، الذين يساهمون في الإبقاء عليه. وفي هذا الصيف الملتهب، تطرح أمام البلاد أسئلة خطيرة. لكننا نجد أنفسنا فجأة أمام «معجزة» العودة إلى القضايا الهوياتية أو اللغوية، بما يسمح بإبعاد هذه الأسئلة عن النقاش العام.

لماذا كان الحراك مكروهاً إلى هذا الحد في نظر السلطة؟

لأنه كسر منطق الاستقطاب الذي يحمي الوضع القائم. ولأن جزائريين كانوا قد وقفوا في مواجهة بعضهم البعض بصورة مباشرة، استطاعوا أن يلتقوا ويتحاوروا ويتبادلوا الأفكار. ولأنه أثبت أن البلاد بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يقودها نحو مجتمع المواطنين، بما يكرّس نهائياً الحريات الأساسية، ومنها حرية المعتقد.

إن هذا النقاش البائس في هذا الصيف البائس يبعدنا عن ذلك الطموح الكبير الذي حمله الحراك: إخراج البلاد من النقاشات الفارغة، والذهاب أخيراً إلى صلب القضايا. وربما يكون هذا تحديداً هو ما لا يستطيع الوضع القائم أن يتسامح معه.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article