برنت يصل 103 دولارات، 138 من عملية عبور يومية إلى خمس فقط، و140 مليون دولار تُحصَّل يوميًا لصالح طهران. من خلال إغلاق مضيق هرمز، نجحت إيران، وهي من أكثر دول العالم خضوعًا للعقوبات، في قلب السلاح الاقتصادي ضد من صاغوه عليها أساسًا.
في 12 مارس 2026، وصفت الوكالة الدولية للطاقة تعطيل مضيق هرمز بأنه أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ. والمفارقة أن الجهة التي تقف وراء هذا الاضطراب هي دولة أمضت واشنطن عشرين عامًا في محاولة خنقها اقتصاديًا.
دخلت إيران هذا النزاع بخزائن شبه فارغة، أنهكتها عقود من العقوبات. وبدا المنطق الأمريكي حينها محكمًا: استهداف خصم مُستنزَف، غير قادر على تمويل حرب طويلة. لكن عبر إغلاق مضيق لا يتجاوز عرضه 33 كيلومترًا، قلبت طهران السلاح الاقتصادي ضد من صنعوه.
«أمّ كل حروب المزايدات»
كان نحو 20٪ من النفط العالمي يمر يوميًا عبر هرمز، إضافة إلى 20٪ من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالميًا. ومنذ 28 فبراير، جفّ هذا التدفق. ولم يعد المركز البريطاني لعمليات التجارة البحرية – UKMTO – يسجّل سوى خمس عمليات عبور يوميًا، مقابل متوسط تاريخي يبلغ 138 عملية.
سعر برنت، الذي كان عند 60 دولارًا في يناير، تجاوز اليوم 104 دولارات.
وكان المحلل روبرت ماكنالي، المتخصص في أسواق الطاقة، قد حذّر حتى قبل اندلاع الأعمال القتالية من أن إغلاقًا مطوّلًا سيؤدي، حسب تقديره، إلى «أمّ كل حروب المزايدات»، إذ إن معظم الطاقة الاحتياطية للإنتاج العالمي تتركز في السعودية والإمارات، وهما بدورهما محاصرتان خلف المضيق.
ولا يقتصر الأمر على النفط وحده. فتعليق حركة تجارة الكبريت، التي يوفّر الخليج 45٪ من إمداداتها العالمية، يؤدي إلى سلسلة من التداعيات على أسعار الأسمدة، وتكاليف صناعة النحاس، وإمدادات حمض الكبريتيك. كما ينتج الخليج الجزء الأكبر من الهيليوم عالميًا، وهو عنصر أساسي في صناعة أشباه الموصلات.
واشنطن تقصف إيران وتسمح بمرور ناقلاتها
أكثر مفارقات هذه الأزمة لفتًا للانتباه هي المفارقة المالية. فبينما كانت واشنطن تستهدف إيران عسكريًا، كانت في الوقت نفسه تعيد ملء خزائنها التي استغرقت عشرين عامًا في استنزافها. إذ تواصل طهران تصدير نفطها عبر المضيق بكميات شبه مماثلة لما كانت عليه قبل الحرب، محققة أكثر من 140 مليون دولار يوميًا.
وقد أقرّ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على قناة CNBC بأن واشنطن سمحت عمدًا بمرور الناقلات الإيرانية لتجنّب اضطراب الأسواق. من جانبه، صاغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي هذه المعادلة في شكل عقيدة، معتبرًا أن المضيق مغلق فقط أمام السفن المعادية، فيما يُسمح لغيرها بالعبور.
وحتى قبل الضربات الأولى، كانت إيران قد سرّعت صادراتها من جزيرة خرج، رافعة إياها من 1.5 مليون إلى 4 ملايين برميل يوميًا، وهو مستوى يقترب من الأرقام القياسية التاريخية. ويرى المؤرخ غاي لارون في ذلك تعبيرًا عن قراءة إيرانية لم تتوقعها العواصم الغربية، إذ يعتبر أن «الإيرانيين ينظرون إلى ترامب بشكل مختلف؛ فهم يرون أنه يسعى فقط إلى الاستحواذ على النفط، ولذلك يسعون إلى تصدير أكبر قدر ممكن منه قبل فوات الأوان».
«62٪ من الناقلات ترفع أعلامًا مزيفة»
آلية هذا الإمداد غير الرسمي موثقة منذ سنوات. إذ يغادر النفط الإيراني جزيرة خرج، ويخضع لعمليات نقل من سفينة إلى أخرى في خليج عُمان أو قرب ماليزيا، قبل أن يصل إلى الموانئ الصينية بعد إعادة تصنيفه على أنه نفط ماليزي أو إندونيسي. وتقوم الناقلات بإيقاف أنظمة التعريف الآلي (AIS) وتعمل خارج منظومات التأمين التقليدية.
وبحسب شركة الاستخبارات البحرية Windward، فإن 62٪ من بين 430 ناقلة منخرطة في تجارة النفط الإيراني ترفع أعلامًا مزيفة، فيما تخضع 87٪ منها لعقوبات. وتمثل «الأسطول الشبح» اليوم ما بين 17 و18٪ من القدرة العالمية لناقلات النفط.
لا تعتمد الصين، وهي المشتري الرئيسي لهذا النفط، عقودًا طويلة الأجل. بل تُبرم الصفقات بشكل فوري، وتُسوى باليوان عبر بنوك ثانوية، من دون ضمانات تسليم أو حماية تعاقدية. وكانت بكين تدفع باليوان، ما يفرض على إيران استخدام هذه العائدات لاستيراد سلع صينية، وهو ما يعزز تبعيتها الاقتصادية للصين. وقبل الحرب، كانت الصين تشتري النفط الإيراني بسعر 50 دولارًا للبرميل، شاملةً خصم العقوبات، أما اليوم فتدفع نحو 90 دولارًا.

رفعت غولدمان ساكس (Goldman Sachs ) توقعاتها للتضخم في الولايات المتحدة لعام 2026 بمقدار 0.8 نقطة، كما رفعت احتمال حدوث ركود إلى 25٪. وتشير نماذج إكسفورد إيكونوميكس- Oxford Economics- إلى أن وصول سعر البرميل إلى 140 دولارًا لمدة شهرين كفيل بدفع منطقة اليورو والمملكة المتحدة واليابان إلى الانكماش.
دعا ترامب دولًا أخرى إلى العمل على إعادة فتح المضيق عسكريًا، لكن دعوته لم تلقَ استجابة. فالصين واليابان وفرنسا والمملكة المتحدة، التي طُلب منها ذلك بالاسم، لم تعلن نيتها إشراك قواتها البحرية. وحذّر ترامب من أن حلف شمال الأطلسي سيواجه مستقبلًا «سيئًا للغاية» إذا قوبل اقتراحه برد سلبي أو معدوم.
في المقابل، سجلت روسيا ارتفاعًا في عائداتها من مبيعات الطاقة الأحفورية بمقدار 672 مليون يورو منذ بداية النزاع، لتبلغ إيراداتها ستة مليارات يورو خلال النصف الأول من مارس فقط، وفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA). وفي 15 مارس، أكد قائد إيراني أن طهران ستواصل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط.

