شكيب خليل وعبد السلام بوشوارب: كبار رموز الفساد في عهد بوتفليقة يظلان بعيدَي المنال

بينما كان يُفترض أن تمنح زيارة وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، الأخيرة إلى باريس دافعاً لملفات التعاون المشترك، بدا واضحاً أن قضية استرداد رموز عهد بوتفليقة قد دخلت مرحلة الركود. فبين الشروط القانونية الأوروبية الصارمة، والحصانة الدستورية التي توفرها واشنطن، وصولاً إلى الثغرات التقنية المزمنة في طلبات القضاء الجزائري، يستمر عبد السلام بوشوارب وشكيب خليل في حالة إفلات دائم من الملاحقة، مما يضع كفاءة الدبلوماسية القضائية للجزائر على المحك.

5 min de lecture
لقطة بروتوكوليّة شهيرة من قصر المراديّة (مطلع 2000) تُظهر عناقاً حارّاً بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ووزير الطاقة شكيب خليل أثناء مراسم أداء اليمين الدستوريّة للحكومة، وهي الصورة التي تحوّلت لاحقاً إلى رمز لـ"صداقة السلطة" والنفوذ في تلك الحقبة.

تُظهر الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري، سعيد سعيود، إلى باريس تراجعاً واضحاً في ملف تسليم عبد السلام بوشوارب. وبعد أسابيع قليلة فقط من إثارة هذه المسألة صراحةً خلال زيارة وزير العدل الفرنسي إلى الجزائر، يبدو أن الموضوع – الذي يشكل نقطة الارتكاز في ملف التسليم – قد تلاشى وسط متاهات الأولويات الثنائية الأخرى. وإذ إن انتقال هذه المسألة القضائية البحتة لتُناقش الآن في إطار لقاءات سياسية وأمنية تقودها وزارة الداخلية، يؤكد تحول الملف نحو شكل من أشكال الإدارة الدبلوماسية غير المحددة، وهو ما يهيئ للوصول إلى تنازلات متبادلة.

وإذا أضفنا إلى ذلك الصمت المطبق الذي يحيط الآن بقضية شكيب خليل، المقيم منذ فترة طويلة في الولايات المتحدة، فإن الاستنتاج يفرض نفسه بوضوح: يبدو أن الشخصيتين الأكثر رمزية في قضايا الفساد الحكومي في عهد بوتفليقة في طريقهما إلى الإفلات الدائم من العقاب. بات احتمال مثولهما أمام محكمة وطنية، أو حتى التحقيق معهما في بلدان لجوئهما، ضئيلاً للغاية. وتثير هذه النتيجة تساؤلات حول جدوى الإجراءات السياسية والقضائية التي وعدت بـ”معاقبة” جميع المتورطين في عمليات النهب الاقتصادي واسعة النطاق، ولا سيما أبرزهم.

جدار “الإنسانية” الفرنسي يحمي مهندس منظومة (SKD-CKD)

تُظهر قضية عبد السلام بوشوارب (74 عامًا)، الوزير السابق للصناعة ومهندس النظام الفاسد لتراخيص تجميع السيارات (SKD-CKD)، الحدود الهيكلية للإجراءات المتبعة مع باريس. بعد أن حُكم عليه غيابياً في الجزائر بعقوبات مشددة متراكمة بتهم الفساد وإهدار المال العام ومنح مزايا غير مستحقة، وجد المسؤول السابق أن وضعه قد تجمد لصالح الحصول على وضع المقيم الدائم.

في مارس 2025، رفضت محكمة الاستئناف في إيكس أون بروفانس نهائياً طلبات التسليم التي قدمتها الجزائر، كما ذكرت صحيفة ”لوموند“ اليومية آنذاك. وقد عارض القضاة الطلب بحجة طبية، معتبرين أن الحالة الصحية للمعني متدهورة للغاية، فضلاً عن عدم كفاية الضمانات الاتفاقية فيما يتعلق بظروف احتجازه. وبموجب مبدأ الفصل بين السلطات، فإن هذا القرار، المستند إلى المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (CEDH)، ملزم للسلطة التنفيذية الفرنسية. ومن ثم، يبدو أن قضية بوشوارب لم تعد تشكل محورًا – إن كانت قد شكلته يومًا – أو مصدر إزعاج رئيسي في العلاقات الفرنسية-الجزائرية، حيث تقبل السلطات في الجزائر فعليًا الطابع النهائي لهذا الحظر القانوني.

خليل «المنيع» تحت مظلة واشنطن

ويبدو شكيب خليل، أكثر من غيره، بعيد المنال. لا يزال وزير الطاقة والمناجم السابق مرتبطاً بأكبر الفضائح المالية في تاريخ الجزائر المستقلة، ولا سيما تداعيات قضايا سوناطراك التي تورط فيها وسيطه، فريد بجاوي، الذي اتهمته النيابة العامة في ميلانو بتلقي عمولة قدرها 290 مليون دولار من شركة سايبم، التابعة لشركة إيني. وقد حُكم على شكيب خليل (86 عاماً) في الجزائر بالعقوبة القصوى وهي السجن لمدة 20 عاماً، لكنه يتمتع في الولايات المتحدة بوثيقة حماية قانونية من نوع آخر تماماً: الجنسية الأمريكية التي حصل عليها منذ زمن طويل. ولا تقوم واشنطن بتسليم رعاياها إلا في حالات استثنائية نادرة للغاية، خاصة وأنه لا توجد معاهدة ثنائية ملزمة تربط بين البلدين في هذا الشأن. علاوة على ذلك، تتحلى الدبلوماسية الجزائرية بحذر واضح تجاه الإدارة الأمريكية، متجنبة إثقال كاهل العلاقات الأمنية والطاقية بمطالبات تسليم محكوم عليها بالفشل هيكلياً في مواجهة معايير الإثبات التي يفرضها القانون العام (Common Law).

دبلوماسية قضائية بعيدة عن المعايير الدولية

تُسلط عدم إمكانية القبض على الثنائي خليل-بوشوارب الضوء على الضعف الفني للطلبات التي قدمتها النيابات الجزائرية. على عكس قضايا المعارضين السياسيين المحميين بصفة اللجوء، كان من المفترض أن تستند الجرائم المالية إلى أدلة مادية، وتدفقات مصرفية، وتقارير تدقيق موثقة، قادرة على إقناع القضاة الغبريين المستقلين. التاريخ يعيد نفسه: في شهر أوت 2013، اضطر المدعي العام للجزائر آنذاك، بلقاسم زغماتي، إلى إلغاء مذكرة التوقيف الدولية التي صدرت في البداية ضد شكيب خليل بسبب عيوب شكلية صارخة، مما مهد الطريق لإعادة الاعتبار السياسي المؤقت له على يد عبد العزيز بوتفليقة في عام 2016. وقد تكرس هذا العجز الفني عن إعداد ملفات تسليم قوية بمرور الوقت؛ فقد غاب عن المدعين العامين، ثم الأسوأ من ذلك، عن قضاة التحقيق، إلزام الشرطة القضائية بتقديم ملفات اتهام مدعومة بأدلة جادة وموثقة.

وفي المقابل، يتعرض مئات من كبار الموظفين في القطاع العام أو المتعاملين في القطاع الخاص للاحتجاز المؤقت لفترات طويلة في الجزائر قبل أي فحص موضوعي للملفات من قِبل المحكمة، بناءً على تحقيقات أولية أو إجراءات تحقيق غالباً ما تكون سطحية وموجزة. وهذه الممارسات في إدارة التحقيق على وجه التحديد، والتي غالبًا ما تعتبرها المحاكم الأجنبية تقديرية أو تفتقر إلى الطابع التناقضي بشكل كافٍ، هي التي تعيق اليوم تنفيذ أوامر الاعتقال الدولية ضد كبار الشخصيات المنفية من أركان النظام السابق.

Partager cet article