بالنسبة إلى الجزائر، المورّد الرئيسي للغاز إلى شبه الجزيرة الإيبيرية والشريك التاريخي لـ«ناتورجي»، فإن هذا التحرك في رأس المال يوقظ هواجس قديمة مرتبطة بطموح أبوظبي إلى فرض موطئ قدم داخل معادلة الغاز في جنوب أوروبا، على حساب المصالح الاستراتيجية الجزائرية.
ثغرة «الأسهم الحرة»… فرصة سانحة لشركة «طاقة»؟
وفقًا لما أوردته الصحيفة الإسبانية «إل إسبانيول» (El Español)، فإن خروج صندوق «سي في سي» — بعد ثلاثة أشهر فقط من انسحاب صندوق «جي آي بي/بلاك روك» (GIP/BlackRock) — قد يرفع نسبة الأسهم الحرة المتداولة (Free Float) لشركة «ناتورجي» إلى ما يتجاوز عتبة 45%. وهو مستوى يعقّد بشكل جدي مهمة شركة «كريتيريا كايشا» (CriteriaCaixa) — الذراع المالي لمؤسسة «لا كايشا» والحائز على 28.5% من الأسهم — وكذلك الحكومة الإسبانية، في الحفاظ على إدارة شركة الغاز بأيدٍ وطنية.
لماذا يشكل ارتفاع الأسهم الحرة خطرًا؟
في أسواق المال، يُقصد بالأسهم الحرة المتداولة (Free Float) الجزء من رأسمال الشركة غير المحتجز من قبل مساهمين مستقرين، مثل الدول أو المؤسسات ا، والذي يجري تداوله يوميًا في البورصة. وعندما ترتفع هذه النسبة إلى مستوى يقارب 45%، تصبح الشركة أكثر هشاشة وعرضة لمحاولات الاستحواذ.
وبدل الاضطرار إلى التفاوض المباشر لشراء كتلة ضخمة من الأسهم من مستثمر كبير — وهي عملية ثقيلة وتخضع لتدقيق سياسي ومالي واسع — يمكن للمستثمر المتربص أن يعتمد على شراء تدريجي لأسهم متفرقة من السوق. وهي الاستراتيجية المعروفة في الأوساط المالية بـ«سياسة النملة»، والتي تسمح بالصعود التدريجي داخل رأس المال دون إثارة ضجيج كبير.
فرصة جديدة للإمارات؟
يعيد هذا التفتت في رأس المال إلى الواجهة احتمال عودة شركة «طاقة» الإماراتية (شركة أبوظبي الوطنية للطاقة) لمحاولة التموقع داخل «ناتورجي». وللتذكير، كانت أبوظبي قد سعت سابقًا إلى إطلاق عرض استحواذ عمومي (OPA) على 100% من رأس مال الشركة الإسبانية، غير أن المشروع اصطدم برفض جزائري واضح، وانتهى عمليًا بالفشل نتيجة الفيتو السياسي لمدريد والشروط الصارمة التي وضعتها الحكومة الإسبانية.
ومع ذلك، تشير «إل إسبانيول» إلى أن المعطيات تغيّرت اليوم؛ إذ لم تعد وضعية الشركة الإسبانية الحكومية للاستثمارات الصناعية (SEPI) كما كانت قبل عام، كما أن الهشاشة السياسية التي تعيشها الحكومة الإسبانية في نهاية عهدتها تقلّص من هامش مناورتها. وقد يشجع هذا السياق شركة «طاقة» على العودة عبر التموقع تحت عتبة 10%، بما يسمح لها بتفادي آليات التدخل التلقائي للدولة الإسبانية وفرض حضور داخل مجلس الإدارة.
الغاز الجزائري في مواجهة طموحات أبوظبي
تعتبر الجزائر دخول شركة «طاقة» إلى قلب «ناتورجي» خطًا أحمر، بالنظر إلى أن الشركة الإسبانية تمثل الشريك الأساسي لمجمع سوناطراك، التي تحوز بدورها على 4.1% من رأسمال «ناتورجي». ويدير الطرفان معًا أنبوب الغاز الاستراتيجي «ميدغاز»، الذي تسيطر سوناطراك على 51% من أسهمه، فيما تتقاسم «ناتورجي» و«بلاك روك» النسبة المتبقية.
ولا يقتصر الرفض الجزائري لأي توغل إماراتي في البنى التحتية الطاقوية الحساسة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يحمل أبعادًا سياسية واضحة أيضًا. فالخلافات العميقة بين الجزائر وأبوظبي في ملفي الساحل وليبيا — والتي زاد من حدتها التقارب الإماراتي مع الرباط سياسيًا وماليًا ودبلوماسيًا — تجعل أي تعايش استراتيجي بين الطرفين شديد التعقيد. وقد تجلى هذا الموقف مؤخرًا من خلال رفض الجزائر إدراج محطتي تحلية مياه البحر في مستغانم وكاب جنات ضمن صفقة بيع شركة «جي إس إينيما» (GS Inima) الإسبانية، المملوكة للمجمع الكوري الجنوبي GS Group، لصالح شركة «طاقة» الإماراتية. وهو ما عُدّ في الجزائر محاولة للتوغل في ملف الأمن المائي الوطني، الأمر الذي دفع السلطات إلى إغلاق الملف بشكل نهائي.
مدريد أمام مسؤولياتها
إذا اختارت أبوظبي استغلال انفتاح رأس مال «ناتورجي» لفرض أمر واقع جديد، فإن ذلك قد ينطوي على مخاطر حساسة بالنسبة لإسبانيا. ففي الخريف المقبل، ستنتهي القيود المفروضة منذ عام 2021 على الصندوق الأسترالي «آي أف إم» (IFM)، ثاني أكبر مساهم بنسبة 15.5%، ما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل أوسع لمنظومة تسيير الشركة.
تمتلك الجزائر أوراق ضغط تعاقدية وإمدادية مهمة، وفي مدريد يدرك كثيرون أن أي انتقال لـ«ناتورجي» نحو طرف تعتبره الجزائر خصمًا استراتيجيًا قد يهدد توازنًا طاقويًا بالغ الحساسية، خاصة في ظرف أوروبي يسوده البحث المحموم عن بدائل مستقرة للغاز الروسي. ويبدو أن الحفاظ على المحور الطاقوي بين الجزائر ومدريد — الذي أظهر قدرًا لافتًا من الصمود رغم الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عقب تحول موقف بيدرو سانشيز بشأن الصحراء الغربية — سيعتمد، من الآن فصاعدًا، على قدرة «كريتيريا كايشا» على إيجاد شريك استراتيجي أوروبي أو وطني موثوق قادر على حماية التوازن الحالي داخل «ناتورجي».


