انتقل إلى رحمة الله، يوم السبت 28 مارس، رئيس الجمهورية الأسبق اليامين زروال عن عمر ناهز 84 عاماً. وإذا كان التاريخ الرسمي يركز على دوره خلال “العشرية السوداء”، فإن انسحابه من السلطة عام 1999 يبقى مطبوعاً باستقالة غير نمطية ومسار انتخابي ألقى بظلاله الطويلة على نهاية عهدته.
أعلن الرئيس عبد المجيد تبون الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام تكريماً لذكرى اليامين زروال. قاد هذا العسكري المحترف، وابن ثورة التحرير، الجزائر بين عامي 1994 و1999، وهي فترة اتسمت بعنف مفرط وتحولات سياسية عميقة.
رئاسة بين الحوار والقمع
التحق اليامين زروال، المولود بباتنة عام 1941، بصفوف جيش التحرير الوطني وهو في السادسة عشرة. وبعد مسيرة مهنية حافلة في الجيش الوطني الشعبي، عُيّن رئيساً للدولة في جانفي 1994 من قبل المجلس الأعلى للأمن. كانت عهدته عهدة المخاطر الكبرى؛ حيث حاول إطلاق حوار مع قادة “الفيس” المسجونين، بينما كان يواجه مقاومة شديدة من داخل “النظام”.
ورغم انتخابه عام 1995 في أول اقتراع تعددي (بنسبة 61%)، إلا أن سلطته تعرضت للتقويض المستمر بسبب صراع الأجنحة في قمة الهرم. وقد تجلى ذلك بوضوح في الخرجات الإعلامية الأولى التي كشفت عن الخلافات داخل “البيت الداخلي”، من خلال الاستهداف العلني للمستشار المقرب من زروال، الجنرال محمد بتشين.
“الاستقالة مع إشعار مسبق”
جاء المنعرج الحاسم في رئاسته يوم 11 سبتمبر 1998، عندما أعلن زروال، في خطوة أربكت الطبقة السياسية، عن تقليص عهدته وتنظيم انتخابات رئاسية مسبقة.
هذا القرار، الذي وُصف بـ “الاستقالة مع إشعار مسبق”، لم يكن له سند في الدستور. فمن خلال بقائه في منصبه لمدة سبعة أشهر بعد إعلان رحيله، منح زروال — بحسب العديد من المراقبين — الوقت الكافي لـ “صناع القرار” في الجهاز الأمني لترتيب خلافة مضبوطة. وقد سمحت هذه الفترة الانتقالية ببروز عبد العزيز بوتفليقة كمرشح إجماع للمؤسسة العسكرية.
أفريل 1999: انسحاب “الستة” وظلال النهاية
بقي الفصل الأخير من حكمه واحداً من أكثر اللحظات إثارة للجدل في التاريخ السياسي للبلاد. ففي عشية اقتراع أفريل 1999، قرر ستة مرشحين (من بينهم حسين آيت أحمد، مولود حمروش، وأحمد طالب الإبراهيمي) الانسحاب الجماعي تنديداً بـ “تزوير مبرمج” لصالح “مرشح الجيش”.
ورغم هذا الانسحاب الجماعي، تمسك اليمين زروال بإجراء الانتخابات، ليشرف بذلك على “رئاسيات المترشح الوحيد”. هذا الإخفاق الديمقراطي خدش صورة “الخروج المشرف” الذي كان يطمح إليه. وبدلاً من أن يكون تسليماً نموذجياً للسلطة، تحول رحيله إلى ممهد لـ “عهد بوتفليقة” الذي شهد استعادة شبكات النفوذ لزمام السياسة بشكل مطلق.
صمت العقدين الأخيرين
بعد تسليمه مفاتيح قصر المرادية في 27 أفريل 1999، انزوى زروال في بيته بباتنة ملتزماً بصمت شبه مطبق. لم يخرج عن تحفظه إلا نادراً، رافضاً تزكية الانحرافات التي عرفها النظام الذي ساهم هو نفسه في تثبيت أركانه. يترك اليمين زروال صورة معقدة لرجل دولة واجه المأساة الوطنية بشرف، لكن نهاية عهدته جسدت صعوبة، بل استحالة، تحرر الرئيس الجزائري في تلك الحقبة من الوصاية.
