ما زالت الاعتبارات التي تحرك هذه العملية تثير التساؤل؛ والثابت أن الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة لم تسلم من مقصلة قرارات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. الرفض طال ملفات شخصيات سياسية بارزة، ونواباً سابقين، ومنتخبين محليين، بل وحتى مرشحين يخلو سجلهم القضائي من أي سوابق عدلية، وسط موجة عارمة من الغموض والاستهجان.
نددت التشكيلات السياسية المتضررة في ردود أفعالها بهذه القرارات، واصفة إياها بالضبابية والتعسفية والموجهة سياسياً. ومن جانبهم، انتقد المرشحون المستقلون غياب التبرير الكافي، متحدثين عن عقبات إدارية جمة أحبطت قبول ملفاتهم. والجميع اليوم يرفضون جملة وتفصيلاً المبررات المساقَة، نافين أي تورط لهم في قضايا ترتبط بالمال الفاسد أو بشبكات نفوذ خفية، وهي الذرائع التي استندت إليها السلطة المستقلة لتسويغ هذا الإقصاء الواسع.
المادة 200 في عين الإعصار
قرارات الرفض ارتكزت، في حالات كثيرة، على أحكام المادة 200 من قانون الانتخابات، التي تنص صراحة على إقصاء الأشخاص الذين تثبت صلتهم بـ”المال الفاسد”، أو المتورطين في ممارسات من شأنها المساس بنزاهة العملية الانتخابية. بيد أن تأويل هذا المقتضى القانوني بالذات هو ما يفجر الجدل اليوم؛ فالمرشحون المقصيون يشجبون ما يصفونه بـ”القراءة المطاطية” لمفهوم “الروابط المشبوهة”، ويرونه فضفاضاً ومبهماً إلى الحد الذي يتيح اتخاذ قرارات إقصاء استنسابية. هذا التخوف ليس وليد اليوم، فقد سبق للمحكمة الدستورية أن حذرت من مغبة التوسع المفرط في تطبيق بعض الأحكام لما قد تلحقه من ضرر بالحقوق السياسية المكفولة للمواطنين. تؤكد الأحزاب والقوائم المستقلة المعنية من جهتها أنه لا يوجد في المسارات المهنية والشخصية للمرشحين المرفوضين ما يثبت أدنى صلة بمسالك تمويل غير مشروعة أو شبكات نفوذ مشبوهة.
وفي سياق هذه الردود، برز حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) كأحد أكثر التشكيلات حدة في الانتقاد؛ حيث اعتبر في بيان شديد اللهجة أنه أضحى مستهدفاً بحملة تهميش سياسي ممنهجة، تضاعفت ضراوتها بمجرد إعلانه المشاركة في المعترك الانتخابي. أوضح الحزب أن مرشحيه ومناضليه جابهوا “رفضاً تعسفياً” و”عراقيل إدارية متكررة”، فضلاً عن “عقبات وضعت عمداً للحيلولة دون اعتماد التوقيعات”. واستنكر بقوة إسقاط قائمته في ولاية الجزائر بعد استيفائها عمليات التدقيق الأولية، معتبراً أن هذا الإجراء حرمه من أي فرصة للمراجعة أو التحقق الوجاهي المتناقض. تجاوزت المسألة في نظر الحزب مجرد تباين في القراءات الإدارية، لتعكس “إغلاقاً سياسياً وإدارياً متعامداً ومقصوداً” يستهدف تقليص الهامش الديمقراطي وإضعاف القوى المعارضة القليلة التي ما زالت تواجه في الميدان.
رغبة في هندسة البرلمان القادم؟
بعيداً عن الحجج القانونية المرفوعة، يتساءل المعارضون عن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء هذه الغربلة. فهل تندرج هذه الإقصاءات في إطار رغبة حقيقية لتطهير الحقل السياسي, أم أنها تعكس استراتيجية أوسع لهندسة الخارطة البرلمانية واختيار نواب المستقبل؟ تكتسي هذه المسألة حساسية بالغة بالنظر إلى أن العديد من الوجوه التي طالها الإقصاء كانت قريبة، بدرجات متفاوتة، من الحراك الشعبي أو من الديناميكيات السياسية التي ولدت من رحمه. يرى مراقبون في هذا المنحى مسعى لتقليص وجود الكفاءات التي تُصنف كمستقلة، أو تلك التي لا تبدو منسجمة تماماً مع التوازنات التي تنشدها السلطة القائمة. وفيما يتعدى ذلك، يلمح آخرون إلى وجود محاولة صريحة لإعادة صياغة تشكيلة المجلس الشعبي الوطني المقبل تحسباً لاستحقاقات سياسية لاحقة، وذلك عبر ترجيح كفة ترشيحات تُعد أكثر توافقية وأسهل توقعاً.
ثقة انتخابية لا تزال هشة
أياً كانت الدوافع الحقيقية والمحركة لهذه القرارات، فإن تناسلها وتواترها يذكي الشكوك حول ظروف المنافسة الانتخابية العادلة فغياب الشفافية الذي ندد به المتنافسون، وشح المبررات المفصلة في ملفات الرفض، والاتكاء المتكرر على مفاهيم هلامية خاضعة للتأويل، كلها عوامل تساهم في تعميق أزمة الثقة.
وفي ظل ظروف لا تزال فيها المشاركة الانتخابية تشكل تحدياً كبيراً للسلطات، فإن موجة الإبطال هذه قد تزيد من شكوك جزء من الرأي العام تجاه العملية الانتخابية برمتها. وبالنسبة للعديد من الفاعلين السياسيين، قد تؤدي هذه الخطوات أيضاً إلى تعتعزيز العزوف الشعبي وإبعاد الناخبين أكثر فأكثر عن مؤسسات تشريعية لا تزال تمثيليتها ومصداقيتها مثار جدل دائم.


