يعود مجلس قضاء وهران، في جلسته المقررة غدا الخميس 4 جوان 2026، للنظر في واحدة من أكثر قضايا الفساد الاقتصادي إثارة للجدل في تاريخ المؤسسات المينائية الجزائرية، وهي القضية المرتبطة بمؤسسة ميناء وهران والديوان الوطني المهني للحبوب، والمعروفة إعلامياً بـ”قضية ديوان الحبوب“، وذلك بعد أن أصدرت المحكمة العليا بتاريخ 12 جوان 2025 قراراً بنقض الحكم الصادر عن مجلس قضاء وهران في 2 ديسمبر 2020، وإعادة القضية إلى المجلس نفسه بتشكيلة مغايرة للفصل فيها من جديد.
تقارير أمنية تكشف شبكة فساد موثقة داخل ميناء وهران
تعود جذور القضية إلى سنة 2013، حين رصد تونسي نور الدين، الذي كان يشغل منصب رئيس الدائرة التجارية بمؤسسة ميناء وهران، ما وصفه بمنظومة فساد ممنهجة داخل المؤسسة، ليبادر في أفريل 2017 إلى إيداع شكوى رسمية لدى فصيلة الأبحاث للدرك الوطني بوهران، التي أنجزت محضر تحقيق رقم 156 بتاريخ 25 أفريل 2017، تضمن معطيات ووثائق وأرقاماً تتعلق بعمليات تسيير الميناء وبرمجة دخول السفن.
وكشف محضر الدرك الوطني، الذي اطلعت عليه “مغرب إيمرجنت“، عن وجود ممارسات تمثلت في منح الأولوية في الرسو والتفريغ لبواخر مستوردين خواص على حساب بواخر الديوان الوطني المهني للحبوب، وهي مؤسسة عمومية مكلفة بضمان الأمن الغذائي والاحتياطي الاستراتيجي للحبوب في الجزائر.
وبموجب عقود النقل البحري، كان تأخر السفن في عرض البحر يرتب أعباء مالية كبيرة، في حين استفاد بعض المتعاملين الخواص من أولوية الرسو والتفريغ، ما مكنهم من تقليص التكاليف وتحقيق مكاسب إضافية مرتبطة بفترات الانتظار.
خسائر تجاوزت 29 مليون دولار
وتكشف وثيقة صادرة عن المديرية العامة للديوان المهني للحبوب بالجزائر العاصمة، أن الخسائر التي تكبدها الديوان الوطني المهني للحبوب خلال الفترة الممتدة بين سنتي 2014 و2016 تجاوزت 29 مليون دولار نتيجة تأخر السفن وحرمانها من الأولوية في الرسو والتفريغ.
وتشير المعطيات الواردة في الملف إلى أن الوضع تغير بشكل ملحوظ سنة 2017، مباشرة بعد التبليغ عن الوقائع وكشف القضية، حيث حقق الديوان الوطني المهني للحبوب أرباحاً بلغت نحو مليون وثلاثمائة ألف دولار، وهو ما يعزوه أصحاب الشكوى إلى تسريع عمليات التفريغ وتقليص مدة انتظار السفن، وفق الآليات التي كانت تستفيد منها سابقاً بعض الشركات الخاصة من خلال معاملة تفضيلية داخل الميناء.
امتيازات إضافية للخواص داخل الميناء
كما تتضمن التحقيقات معطيات أخرى تتعلق بما وصفته بتسهيلات استثنائية استفاد منها بعض المتعاملين الخواص، تمثلت في عمليات تحويل السفن داخل الميناء بما يسمح بإدخال بواخرهم ورسـوها دون تحمل الأعباء المترتبة على تلك العمليات.
وبحسب المعطيات الواردة في تقرير فرقة الأبحاث التابعة للدرك الوطني، والمودع لدى نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي المتخصص بوهران، فقد استفادت سفن خاصة من عمليات تحويل داخل الحوض المينائي على حساب بواخر الديوان الوطني المهني للحبوب ومؤسسات عمومية أخرى.
وتبلغ تكلفة عملية التحويل الواحدة نحو ثلاثة آلاف دولار للساعة، بينما قدرت مصالح الدرك عدد عمليات التحويل المسجلة بحوالي 500 عملية، ما يمثل خسائر مالية إضافية معتبرة تم تحميلها بشكل غير مباشر للمؤسسات العمومية المعنية.
امتيازات استثنائية لبعض المتعاملين على حساب الخزينة
كما كشف تقرير الدرك عن منح امتيازات خاصة لبعض المتعاملين الاقتصاديين، من خلال إدخال بواخرهم إلى الميناء مباشرة عند وصولها وتحويلها إلى أرصفة غير مخصصة لهذا النوع من النشاط، بما يسمح بتفادي تكاليف الانتظار والغرامات المترتبة عن المكوث في عرض البحر.
وأشار التقرير كذلك إلى استعمال مرافق مينائية غير مهيأة أو غير مرخصة لبعض عمليات التحويل والرسو، في ظروف اعتبرها المحققون مخالفة للإجراءات التنظيمية المعمول بها داخل المؤسسة المينائية.
المبلّغ عن الفساد بين السجن والإقصاء المهني
وبينما واصل المسؤولون المشمولون بالتحقيق ممارسة مهامهم داخل مؤسسة ميناء وهران لسنوات بعد تفجر القضية، لغاية استفادتهم من التقاعد مع المزايا المالية، على غرار ب.ز مدير قيادة الميناء ورئيس لجنة برمجة دخول السفن، وف.م مدير الاستغلال السابق، وب.س رئيس مجلس المساهمة، وس.ص العضو النقابي بالمؤسسة، وجد المبلّغ عن الفساد تونسي نور الدين نفسه خارج المؤسسة بعد فصله من العمل، قبل أن يواجه سلسلة من المتابعات القضائية والسجن، في مفارقة أثارت تساؤلات متكررة حول طريقة التعامل مع أطراف الملف منذ انطلاق التحقيقات سنة 2017.
حيث منذ تبليغه عن الوقائع، يؤكد تونسي نور الدين أنه تعرض لسلسلة من الإجراءات وصفها بـ” الانتقامية” ، شملت فصله من منصبه ودخوله السجن في مناسبتين، الأولى بوهران والثانية بالحراش، قبل أن يحظى ملفه باهتمام حقوقي دولي.
وفي 29 أفريل 2020، وجّه مراسلة إلى وزير العدل الأسبق بلقاسم زغماتي عبر محضر رسمي موقع من النائب العام المساعد، طالب فيها بالتدخل لحماية مسار العدالة في القضية والتحقيق في ما اعتبره تلاعباً ببعض وثائق الملف.
ورغم صدور أحكام قضائية تقضي بإعادة إدماجه في منصبه، يؤكد المعني أن مؤسسة ميناء وهران لم تنفذ تلك الأحكام إلى غاية اليوم.
تساؤلات حول مسار الملف
ويطرح المبلّغ عن الفساد وعدد من المتابعين جملة من التساؤلات المتعلقة بمسار القضية، من بينها عدم تأسس الخزينة العمومية كطرف مدني رغم حجم الخسائر المسجلة، إضافة إلى ما يعتبرونه غياباً لبعض الوثائق الأساسية أو عدم الاعتماد عليها بالشكل الكافي خلال مراحل التحقيق والخبرة.
كما يشيرون إلى أن بعض الخبرات القضائية ركزت على وثائق ومصالح تابعة للطرف محل الاتهام، دون الاستماع بصورة معمقة إلى مسؤولي الديوان الوطني المهني للحبوب باعتباره الجهة التي تحملت الجزء الأكبر من الخسائر المصرح بها.
وتترقب جلسة غداً 4 جوان 2026 باعتبارها محطة حاسمة في ملف استمر لأكثر من عشر سنوات، ويتعلق باتهامات تتضمن تبديد أموال عمومية وخسائر بملايين الدولارات، وسط مطالب بكشف جميع الوقائع والوثائق وتمكين العدالة من الفصل النهائي في القضية.


