العينة من ولاية وهران، أقصت سلطة الإنتخابات خمس رؤساء بلديات وهم ، رؤساء بلديات وهران، السانيا، عين الترك، عين الكرمة ، حاسي بن عقبة، مقابل رفض سابق لملفات كل من رئيس بلدية بئر الجير ورئيس المجلس الشعبي الولائي من الترشح لانتخابات التجديد النصفي لمجلس الأمة (الغرفة الثانية للبرلمان) وغيرهم من رؤساء لجان المجالس المنتخبة دون احتساب إقصاء 13 نائباً برلمانياً من التشكيلة الحالية.
التناقض الصارخ هو ما يكشفه المشهد الراهن للانتخابات التشريعية الجزائرية، حيث طالت قرارات الإقصاء منتخبين حاليين وسابقين، بينهم نواب في البرلمان ورؤساء مجالس بلدية وولائية، إضافة إلى شخصيات محلية كانت أحزابها تراهن عليها في الاستحقاق المقبل، وكلهم وجدوا أنفسهم خارج السباق الانتخابي دون أن يُعفَوا من مناصبهم القائمة. المفارقة ليست في القانون، بل في طريقة تطبيقه الانتقائي: هو يُقصيك من الترشح ولا يُقصيك من السلطة.
ثمة سؤال أشد إحراجاً يطرحه هذا الجدل، وهو المتعلق بأصحاب المال أنفسهم. فالمادة صُمِّمت لمحاصرة تأثير الارتباط بمصادر مالية مشبوهة الذي يعدّه القانون سبباً كافياً لرفض الترشح، في إطار جهود الدولة لمحاربة المال الفاسد ومنع تغوله في المؤسسات التشريعية.
غير أن المفارقة اللافتة أن أصحاب هذا المال أنفسهم، الذين تشير إليهم التقارير الأمنية كمرجع للإقصاء، لا يواجهون أي متابعة قضائية من النيابة العامة، ولا تحريكاً للدعوى من قبل الأجهزة المعنية، رغم أن التقارير الرافعة لملفات الإقصاء تصدر أصلاً من تلك الأجهزة ذاتها.
وقد رصدت حزب العمال هذا الخلل، إذ أعربت لويزة حنون عن قلقها من اعتماد تقارير صادرة عن أجهزة أمنية وإدارية في دراسة ملفات الترشح، معتبرةً أن ذلك قد يمس بمبدأ قرينة البراءة في ظل غياب أحكام قضائية نهائية تُجرّد المترشح من حقوقه السياسية والمدنية. وبكلام أوضح: الجهاز الأمني يُنتج تقريراً يُقصي مترشحاً، لكنه لا يُحيل صاحب المال المشبوه المُشار إليه في ذات التقرير إلى أي جهة قضائية.
قرينة إدانة عوض قرينة برأة :
على المستوى الدستوري والحقوقي، يستند المنتقدون إلى مبدأ قرينة البراءة المكرَّس دستورياً، مؤكدين أن أي شخص يظل بريئاً إلى غاية صدور حكم قضائي نهائي بالإدانة، وأن المحاكم وحدها المخوّلة قانوناً بإصدار أحكام البراءة أو الإدانة، في ظل غياب تعريف دقيق لمفهوم الشبهة: أين تبدأ؟ وأين تنتهي؟ ومن يملك صلاحية تحديدها؟ وهي أسئلة تبقى بلا إجابة قانونية واضحة حتى اليوم.
تخشى الأحزاب أن تتحول هذه المادة إلى “مقصلة” سياسية تُستخدم لإقصاء الكوادر دون الاستناد إلى أحكام قضائية مبرمة، لا سيما بعد أن أشارت حنون إلى أن العديد من الأحكام صدرت عن القضاء الإداري بصيغة موحدة وبتسبيب متقارب في مختلف الملفات، وهو ما يُثير تساؤلات حول درجة استقلالية هذه الأحكام. وقد واجهت المحاكم الإدارية في مختلف ولايات الوطن ضغطاً كبيراً للنظر في مئات الطعون المودعة من قِبَل المترشحين المقصيين خلال المهلة القانونية المحددة بثلاثة أيام.
والأخطر مما سبق أن مخاوف عزوف انتخابي واسعة تبرز خاصة في المناطق التي شهدت استبعاد شخصيات محلية تحظى بشعبية كبيرة، مع تحذيرات من أن غياب التعددية الحقيقية في القوائم قد يُفرغ العملية الانتخابية من محتواها التنافسي ويُضعف شرعية البرلمان العتيد.
بات من الواضح أمام ضعف تركيبة البرلمان الجزائري، أن هذه المادة التي شُرِعت لمكافحة الفساد باتت توصف بأنها أداة لانتقاء المشهد السياسي. المُقصَوْن يجلسون في مناصبهم، وأصحاب المال المشبوه يمارسون أعمالهم بحرية، والشبهة وحدها تُحدد من يُرشَّح ومن لا يُرشَّح، في غياب كامل لأي أثر قضائي أو رقابي في اتجاه “الطرف الآخر” من المعادلة.


