تأخذ قضية التأشيرات في القنصلية العامة الإسبانية بالجزائر أبعاداً جديدة. فالمحكمة الوطنية (Audiencia Nacional)، التي تحقق منذ أشهر عدة في ملف فساد واسع النطاق ضمن الممثليات الدبلوماسية الإسبانية، باتت تهتم عن قرب بالدور الذي تلعبه الشركات الخاصة المتعاقدة للقيام بالعمليات الإدارية وحجز المواعيد، وفي مقدمتها الشركة الهندية “بي إل إس”.
وفقاً لمصادر قضائية نقلها موقع «ذا أوبجكتيف» (The Objective)، فإن التحقيق الذي تقوده القاضية ماريا تاردون (María Tardón) بات يستهدف صراحة «منصات المعالجة من نوع بي إل إس». ويسعى القضاء إلى تحديد بدقة ما إذا كان موظفون يعملون داخل هذه الهيئات الوسيطة قد شاركوا بنشاط في تجهيز الملفات، أو في الفرز الانتقائي للمتقدمين، أو حققوا مكاسب شخصية من هذا النشاط غير القانوني.
للتذكير، وفيما يتعلق بتأشيرات “شنغن”، تحيل القنصلية الإسبانية رسمياً جميع طالبي التأشيرة إلى مركز “بي إل إس”، الذي يتولى الاستلام المادي للملفات والخدمات اللوجستية التشغيلية. وفي هذه المرحلة من التحقيق، لا يوجد ما يؤكد تورط الشركة نفسها، بصفتها شخصاً معنوياً. إذ تستهدف التحقيقات قبل كل شيء الاحتمال الوارد لتورط أفراد أو شبكات تعاون داخلية تنشط ضمن هذه المنصات.
ما يصل إلى 25 ألف أورو للعائلة الواحدة
كانت هذه القضية المدوية قد تفجرت في أفريل الماضي، عندما قامت السلطات بتوقيف فيسنتي مورينو (Vicente Moreno) في إسبانيا، الذي كان يشغل منصب المستشار (الرجل الثاني) في الممثلية الدبلوماسية، بالإضافة إلى محمد بوتوشنت، وهو عامل محلي موظف في القنصلية. كما وُضعت زوجة المستشار، وهي جزائرية الجنسية أيضاً، تحت وضعية التحقيق دون أن يتم توقيفها أو سجنها فوراً.
وقد سمح التحقيق المشترك للشرطة الوطنية — عبر وحداتها المتخصصة في الجرائم الاقتصادية ومكافحة الهجرة غير النظامية — ومكتب مكافحة الفساد (Fiscalía Anticorrupción) بتسليط الضوء على وجود آلية معقدة تتجاوز عمداً الإجراءات القانونية. المبالغ التي كانت الشبكة تطلبها من العائلات الراغبة في السفر أو الهجرة بلغت أرقاماً قياسية، لتصل في بعض الأحيان إلى 25 ألف أورو للعائلة الواحدة. ومقابل هذه المدفوعات السرية، كان المستفيدون — الذين غالباً ما كانوا لا يستوفون الشروط التنظيمية المطلوبة — يحصلون على التأشيرات بفضل وثائق غير مدموغة بالتدقيق أو حتى مزورة. عمل هذا النظام المافيوي على حساب المواطنين الشرفاء بشكل مباشر. فملفات المتقدمين الذين يحترمون المعايير القانونية بدقة، لاسيما تلك المقدمة لأسباب مهنية أو تكوينية، كان يتم تهميشها أو تجاهلها بشكل ممنهج لصالح الزبائن القادرين على الدفع ضمن هذه الشبكة.
امتدادات مالية
ظهور شركة “بي إل إس” في نطاق التحقيق يوضح الإرادة الواضحة للقضاء بعدم حصر تحقيقاته في الدائرة الضيقة لموظفي البعثة الدبلوماسية وحدها. وتشير المعطيات المتحصل عليها إلى أن متعاونين خارجيين ربما استغلوا مواقعهم الأساسية للتحكم في الوصول إلى المواعيد، أو إعداد ودعم الطلبات، وتوجيه التدفقات خارج قنوات الرقابة الرسمية. كما يبحث التحقيق بدقة البعد المالي وجرائم غسيل الأموال. فالرشاوى، المدفوعة نقداً وبمبالغ طائلة، كان يتم جمعها عبر وسطاء مكلفين بإعادة توزيع الأموال ضمن التسلسل الهرمي الخفي. وقد أُعيد ضخ جزء من هذه الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الشرعي بإسبانيا، لا سيما من خلال شراء السيارات ذات المحركات.
وخلال عمليات التفتيش التي نفذت في ساغونتو (فالنسيا) وتوريبيخا (أليكانتي)، حجز المحققون ما يقارب 11 ألف أورو نقداً، والعديد من الهواتف المحمولة، وأجهزة حواسيب، و17 مفتاح تخزين (USB). كما طالبت المحكمة بتجميد عقار سكني في مدريد ومنتجات مالية متنوعة. وعلى الصعيد الجنائي، توجه القاضية تاردون للمتورطين خمس تهم رئيسية كبرى: الانتماء إلى منظمة إجرامية، استغلال النفوذ، غسيل الأموال، التزوير المستمر للوثائق من قبل موظف عمومي، وانتهاك حقوق المواطنين الأجانب.
للتذكير فمنذ العام السابق (2025)، وجّه العديد من رجال الأعمال الإسبان مراسلات رسمية إلى وزارة الشؤون الخارجية للتنبيه والتحذير من تعطيل ممنهج وغير مبرر لتأشيرات العمل الموجهة للعمال الجزائريين. وقد أشارت تلك الرسائل مسبقاً إلى وجود مسار موازي وبنية مبهمة داخل القنصلية. بهذا التوسيع في نطاق تحقيقاتها ليشمل شركة “بي إل إس”، يحاول القضاء الإسباني إعادة بناء سلسلة الاحتيال بأكملها، بدءاً من النقر الأول على المنصة الرقمية وصولاً إلى الإصدار النهائي للتأشيرة القنصلية.
فضيحة التأشيرات الإسبانية في الجزائر: التحقيق القضائي يمتد ليشمل شركة “بي إل إس” (BLS)
وسع القضاء الإسباني نطاق تحقيقه في شبكة الاتجار بالتأشيرات في القنصلية الإسبانية بالجزائر ليشمل شركة "بي إل إس" (BLS) المكلفة بإدارة المواعيد والإجراءات الإدارية. وهي خطوة جديدة في قضية يُعتقد أن عائلات جزائرية دفعت خلالها ما يصل إلى 25 ألف أورو للحصول على تأشيرات "شنغن".

Partager cet article

