أزمة سبتة: انتقام من الأجهزة المغربية بعد الكشف الإعلامي عن استخدام برنامج «بيغاسوس»، وفق «إل كونفيدنسيال»

تطرح صحيفة «إل كونفيدنسيال» الإسبانية فرضية مثيرة بشأن موجة الهجرة التي أغرقت سبتة في نهاية جويلية: هل كانت نتيجة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي وضعف المراقبة المغربية، أم أنها قد تكون، وفق الصحيفة، عملية انتقامية من جانب الأجهزة المغربية رداً على تحقيقات صحفية كشفت جوانب من عملها الداخلي واستخدامها برنامج التجسس «بيغاسوس»؟ ولتدعيم هذه الفرضية، تستحضر الصحيفة سوابق في العلاقات بين الرباط ومدريد وباريس.

6 min de lecture
عنوان مقال صحيفة "إل كونفيدينسيال": "بعد كشف تعامله التجسسي مع بيغاسوس: سبتة كانت انتقاماً من المخابرات المغربية بعد الكشف عنها من قبل 14 وسيلة إعلامية"

بعد التفسيرات الأولى التي ركزت على تأثير شبكات التواصل الاجتماعي وحملات التضليل والدعوات إلى التوجه بشكل جماعي نحو الحدود الإسبانية، تطرح الصحافة الإسبانية قراءة أخرى للأحداث: استخدام الضغط الناجم عن الهجرة بشكل متعمد كوسيلة للرد والضغط السياسي.

ولا تتعامل «إل كونفيدنسيال» مع الأمر باعتباره مجرد أزمة هجرة عفوية خرجت عن سيطرة السلطات المغربية، بل تطرح فرضية عملية انتقامية من جانب الأجهزة المغربية.

التشكيك في دور شبكات تهريب المهاجرين

تستند الصحيفة، ضمن عناصر أخرى، إلى الملاحقات القضائية التي باشرتها السلطات المغربية بعد الأزمة. وبحسب «إل كونفيدنسيال»، تمت ملاحقة 86 شخصاً، معظمهم مغاربة، في تطوان بتهمة المساعدة على الهجرة غير النظامية، وقد صدرت بالفعل أحكام بحق 11 منهم بالسجن لمدة تصل إلى ستة أشهر.

ومن بين المدانين عدد من سائقي سيارات الأجرة، وتقول الصحيفة إنهم يمثلون، وفق المعطيات التي توصلت إليها، الأطراف الوحيدة التي ثبت أنها حققت أرباحاً مالية فعلية من نقل الأشخاص نحو الحدود، بعدما رفعت أسعار الرحلات. وتخلص الصحيفة إلى أن شبكات المافيا المتخصصة في تهريب المهاجرين لم يكن لها دور في هذه العملية.

ولا يعني ذلك بطبيعة الحال غياب الشبكات غير النظامية عن ظاهرة الهجرة نحو سبتة، لكنه يضعف فرضية أن تكون العملية قد نُظمت بالطريقة التقليدية من طرف مهربين يسعون إلى تحقيق أرباح من نقل عشرات الآلاف من الأشخاص.

في المقابل، وثقت تحقيقات إسبانية أخرى الدور الحاسم لشبكات التواصل الاجتماعي في التعبئة، من خلال تداول واسع لمعلومات مضللة تتحدث، خصوصاً، عن سهولة دخول سبتة أو استقبال المهاجرين في إسبانيا. وهنا يبرز السؤال: كيف تحولت تعبئة رقمية إلى تحرك بشري بهذا الحجم؟

سابقة 2021… وقبلها 2014

ولتدعيم فرضيتها، تعود «إل كونفيدنسيال» إلى عدد من الأزمات التي طبعت علاقات الرباط بشريكيها الأوروبيين فرنسا وإسبانيا. وتبقى أبرزها أزمة ماي 2021، عندما دخل أكثر من 10 آلاف شخص إلى سبتة خلال ساعات، في خضم أزمة حادة بين مدريد والرباط، عقب استقبال إسبانيا إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، للعلاج من كوفيد-19. وكان المغرب قد ترك الحدود مفتوحة عملياً لعدة ساعات قبل أن يعيد السيطرة على الوضع. وأصبحت أزمة 2021 منذ ذلك الحين أبرز سابقة تستند إليها تحليلات إسبانية تتحدث عن استخدام الهجرة كأداة للضغط السياسي.

لكن «إل كونفيدنسيال» تعود إلى سابقة أقدم. ففي أوت 2014، وصل نحو 1300 مهاجر غير نظامي بحراً إلى شبه الجزيرة الإسبانية، بعد أيام قليلة من حادثة تتعلق بقارب الملك محمد السادس قبالة سبتة، تدخلت خلالها دورية تابعة للحرس المدني الإسباني.
وبحسب الصحيفة، علّق المغرب آنذاك أيضاً تعاونه القضائي والأمني مع مدريد، بما في ذلك التعاون في مجال مكافحة الإرهاب. ولم تستمر القطيعة سوى نحو شهر بعد اعتذارات متكررة من الحكومة الإسبانية. وترى الصحيفة في هذه الحادثة سابقة أخرى لعلاقة يمكن أن يتحول فيها حادث تعتبره الرباط إساءة إليها إلى رد يتجاوز بكثير الإطار الدبلوماسي.

فرنسا دخلت المعادلة أيضاً

وتستحضر الصحيفة في السياق نفسه الأزمة المغربية الفرنسية في 2014. ففي فيفري 2014، حاولت الشرطة القضائية الفرنسية استدعاء عبد اللطيف حموشي، الذي كان آنذاك أحد أبرز وجوه الجهاز الأمني المغربي، على خلفية شكاوى تتعلق بالتعذيب في فرنسا. وكان رد الرباط سريعاً، من خلال تعليق التعاون القضائي والأمني ومكافحة الإرهاب مع باريس.

وبعد بضعة أشهر، اندلعت أزمة جديدة إثر كشف موقع «لو360 » المغربي هوية دبلوماسية فرنسية قُدمت باعتبارها مسؤولة عن محطة جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE) في المغرب. وبحسب «إل كونفيدنسيال»، أعقب ذلك رد فرنسي ألحق ضرراً كبيراً بالرباط، تمثل في نشر مئات الوثائق ورسائل البريد الإلكتروني السرية المتعلقة بعمل جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي وشبكاته، عبر حساب @chris_coleman24 على «تويتر» سابقاً.

من «كريس كولمان» إلى «بيغاسوس»


هنا تحديداً تكتسب الفرضية الجديدة التي تطرحها الصحيفة أهميتها. فـ«إل كونفيدنسيال» تربط بين تلك التسريبات التي كشفت عام 2014 جانباً من عمل جهاز الاستخبارات الخارجية المغربي، وبين التحقيقات الأحدث المتعلقة ببرنامج التجسس «بيغاسوس»، الذي طورته شركة «إن إس أو غروب» الإسرائيلية. وبحسب القراءة التي تقدمها الصحيفة، فإن نشر معلومات من شأنها إحراج الأجهزة المغربية أو كشف أساليب عملها، ربما دفع إلى رد انتقامي جديد يستخدم الضغط الناجم عن الهجرة في سبتة.

وتذهب الصحيفة إلى أن الرباط ربما لم تكتفِ هذه المرة بـ«ترك الأمور تجري»، بل كانت فاعلة في الأزمة، وأن موجة الهجرة الأخيرة قد تكون شكلت رداً متعمداً على التحقيقات الجديدة المتعلقة بالأجهزة المغربية.

فرضية قوية… لكن

المؤكد هو وجود حملة تضليل على شبكات التواصل الاجتماعي، ودور مقاطع الفيديو والرسائل المتداولة في تعبئة المهاجرين، إضافة إلى الضعف الواضح في السيطرة الأولية على الحدود المغربية. وترى «إل كونفيدنسيال» أن هذه العناصر لا تتعارض بالضرورة مع فرضية تدخل الأجهزة المغربية في تنظيم أو إطلاق عملية التعبئة.

لكن النقاش في إسبانيا لا يزال مفتوحاً. فهناك تحليلات تركز على تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، وأخطاء إدارة الأزمة، والوضع القانوني الجديد الذي أفرزته قرارات المحكمة العليا الإسبانية. وفي المقابل، يرى آخرون أن تحركاً بهذا الحجم لم يكن ليبلغ هذه الدرجة من دون، على الأقل، قدر من التساهل أو السلبية من جانب السلطات المغربية. وبين فرضية التنظيم المباشر وفرضية الاكتفاء بترك الأمور تجري، توجد مساحة رمادية واسعة.

لماذا بقيت الحدود مفتوحة؟

ربما تكون هذه هي المسألة الأصعب في تجاوزها. فالمغرب يمتلك في محيط سبتة جهازاً أمنياً كبيراً، فيما شملت التعبئة عشرات الآلاف من الأشخاص، وحدثت على منطقة لا يمكن أن تكون تحركاتهم فيها نحو الحدود الإسبانية غير مرئية تماماً. لذلك لا يتعلق السؤال فقط بـمن دعا المهاجرين إلى التوجه نحو سبتة؟

بل أيضاً بـلماذا تمكنوا من الوصول بأعداد كبيرة إلى الحدود قبل أن يتم تفعيل المنظومة الأمنية المغربية بالكامل؟ لا يشكل ذلك، في حد ذاته، دليلاً على تورط الأجهزة المغربية. لكنه يظل السؤال السياسي الأبرز الذي خلفته أزمة سبتة.

Partager cet article