حصيلة تجعل من مشاركة جميلات الجزائر واحدة من أبرز قصص البطولة، ليس فقط بسبب ما تحقق فوق أرضية الملعب، وإنما أيضاً بسبب الطريقة التي خاض بها المنتخب منافساته.
ففي بلد جارٍ تجمعه بالجزائر علاقات سياسية معقدة وقطيعة دبلوماسية مستمرة منذ سنوات، اختارت اللاعبات أن تتركن للرياضة مساحتها الخاصة، منافسة على أرض الملعب، احترام للمنافس، ونتائج تتحدث عن نفسها.
البرونزية الأولى في تاريخ الجزائر
كانت البداية من مباراة تحديد المركز الثالث أمام المنتخب المغربي، في مواجهة حملت الكثير من الندية والإثارة.
انتهى الوقت الأصلي بالتعادل 1-1، ليحتكم المنتخبان إلى ركلات الترجيح، حيث نجحت الجزائر في حسم المواجهة بنتيجة 3-2، وانتزاع المركز الثالث والميدالية البرونزية. و كانت الحارسة كلوي نڨازي حاسمة في ركلات الترجيح، بعدما ساهمت بتألقها في منح الجزائر أول ميدالية في تاريخ مشاركاتها في كأس أمم إفريقيا للسيدات.
لم تكن البرونزية مجرد نتيجة لمباراة واحدة، بل ثمرة لمسار كامل لمنتخب تمكن من تجاوز خيبة الإقصاء في نصف النهائي، والعودة إلى المنافسة على منصة التتويج.
تذكرة تاريخية إلى البرازيل
لكن القصة الجزائرية في المغرب كانت أكبر من ميدالية. فبفضل مسارها في البطولة، نجحت سيدات الجزائر في حجز بطاقة التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2027 في البرازيل.
إنجاز غير مسبوق لكرة القدم النسوية الجزائرية، يفتح الباب أمام المنتخب الوطني لخوض أول نهائيات مونديالية في تاريخه.
وبالنسبة إلى جيل اللاعبات الحالي، فإن الوصول إلى المونديال يمثل تتويجاً لمسار طويل من العمل، ويمنح كرة القدم النسوية الجزائرية محطة جديدة لإثبات تطورها على المستوى الدولي.
عندما يكون الـFair Play جزءاً من الإنجاز
وبينما كانت البرونزية والتأهل إلى المونديال كفيلين بصناعة مشاركة تاريخية، أضافت جائزة ثالثة بعداً مختلفاً إلى الحصيلة.
فقد حصل المنتخب الجزائري على جائزة “Fair Play Team”، باعتباره المنتخب الأكثر التزاماً بالروح الرياضية خلال البطولة. وتسلّمت قائدة المنتخب صوفيا قلاتي الجائزة، لتكتمل بذلك الثلاثية الجزائرية في البطولة: منصة التتويج، بطاقة المونديال، وجائزة الروح الرياضية. وهي جائزة لا تُقاس بالأهداف أو النقاط، وإنما بالسلوك والانضباط واحترام المنافس، وهو ما منح المشاركة الجزائرية قيمة إضافية.
الجزائر لم تعتمد على نجمة واحدة
ومن العلامات اللافتة في مشوار المنتخب الجزائري أن التألق لم يكن مرتبطاً بلاعبة واحدة. فقد برزت عدة أسماء خلال مباريات البطولة، وحصلت لاعبات جزائريات على جوائز أفضل لاعبة في أكثر من مواجهة.
وكانت لينا بوساحة آخر المتوجات، بعدما حصلت على جائزة أفضل لاعبة في مباراة تحديد المركز الثالث أمام المغرب. و عقب المباراة، عبّرت بوساحة عن رغبة المجموعة في كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم النسوية الجزائرية، معتبرة أن التأهل إلى المونديال والصعود إلى منصة التتويج يمثلان إنجازاً استثنائياً للجيل الحالي.
الجزائر والمغرب.. المنافسة داخل الملعب فقط
ولأن مباراة تحديد المركز الثالث جمعت الجزائر بالمغرب، لم تكن المواجهة خالية من الرمزية. فالبلدان الجاران يعيشان منذ سنوات على وقع أزمة سياسية وقطيعة دبلوماسية، لكن المباراة نفسها بقيت في إطارها الرياضي، كما يفترض أن تكون المنافسات الكروية.
لم تحتج اللاعبات إلى أكثر من 90 دقيقة وركلات الترجيح لحسم المنافسة. لا خطابات سياسية، ولا سجالات خارج الملعب؛ فقط كرة قدم، تنافس، ثم مصافحة بعد صافرة النهاية. و ربما كانت جائزة الروح الرياضية التي حصل عليها المنتخب الجزائري أفضل خاتمة لهذه الصورة.
ثلاثية تختصر حكاية جيل
برونزية أولى، تأهل أول إلى كأس العالم، وجائزة للروح الرياضية. ثلاثة إنجازات جعلت من مشاركة سيدات الجزائر في كأس أمم إفريقيا 2026 محطة مفصلية في تاريخ الكرة النسوية الوطنية.
الملعب كان مغربياً، المنافسون كانوا أفارقة، والمناسبة كانت قارية، لكن البصمة التي تركها المنتخب الجزائري كانت واضحة.
لم تحتج «جميلات الخضر» إلى رفع الصوت خارج الملعب. لم ينتقدن الحكام، توجهوا لخصماتهن بعد الفوز عليهن للرفع من معناوياتهن، تركن أقدامهن تتحدث، وعاد التاريخ ليكتب الباقي. وفي صيف 2026، سيكون من الصعب الحديث عن كأس أمم إفريقيا للسيدات دون المرور بالقصة الجزائرية: جيلٌ صعد إلى منصة إفريقيا، فتح باب المونديال، وغادر البطولة بجائزة الروح الرياضية.


