وفق أحدث البيانات التي نشرها مشغل شبكة الغاز الإسبانية «إيناغاز»، غطت الجزائر 41.7 بالمائة من واردات إسبانيا من الغاز الطبيعي في يوليو، متقدمة بفارق كبير على نيجيريا والولايات المتحدة وروسيا. وبلغت كميات الغاز الجزائري التي وصلت إلى إسبانيا خلال الشهر 10,707 جيغاواط ساعي، بزيادة قدرها 4.8 بالمائة على أساس سنوي. وتم نقل الجزء الأكبر منها عبر أنبوب «ميدغاز» البحري، بواقع 10,228 غيغاواط ساعي، إضافة إلى 479 جيغاواط ساعي من الغاز الطبيعي المسال تم نقلها بواسطة الناقلات.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من العام، أكدت الجزائر موقعها كأول مورد لإسبانيا بحصة بلغت 34.8 بالمائة، أي ما يعادل 74,936 جيغاواط ساعي، بزيادة قدرها 4.4 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبذلك، تتقدم الجزائر بفارق واضح على الولايات المتحدة التي تراجعت حصتها إلى 27.3 بالمائة، وروسيا التي بلغت حصتها 18.3 بالمائة.
مورد استراتيجي في سوق يشهد توتراً
يأتي تنامي الدور الجزائري في السوق الإسبانية في ظرف حساس بالنسبة إلى سوق الغاز الأوروبية. فقد أدى الصراع في إيران والتوترات حول مضيق هرمز إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال، في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي، بالتوازي، تقليص اعتماده تدريجياً على الغاز الروسي. وفي هذا السياق، تبدو الجزائر من بين الموردين الأكثر قدرة على المساهمة في تأمين احتياجات أسواق جنوب أوروبا، بفضل قربها الجغرافي وامتلاكها بنية تحتية للتصدير، وعلى رأسها أنبوب «ميدغاز».
كما تعزز هذه الوضعية الأهمية الاستراتيجية لإسبانيا، التي تمتلك أكبر شبكة أوروبية من محطات إعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال، وتشكل منفذاً رئيسياً للغاز نحو السوق الإيبيرية، ومنها إلى أسواق أوروبية أخرى.
ووفق وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي»، استقبلت إسبانيا الغاز الطبيعي من 14 دولة خلال الأشهر الأولى من العام. وفي يوليو، جاءت نيجيريا في المرتبة الثانية بعد الجزائر بحصة بلغت 15.4 بالمائة، تليها الولايات المتحدة بـ11.6 بالمائة وروسيا بـ8.1 بالمائة. وبلغ إجمالي واردات إسبانيا من الغاز في يوليو 25,647 غيغاواط ساعي، وصل 47.6 بالمائة منها في شكل غاز طبيعي مسال بواسطة الناقلات، مقابل 52.4 بالمائة عبر الأنابيب.
وفي المقابل، ارتفع الطلب الداخلي الإسباني على الغاز بنسبة 8.4 بالمائة على أساس سنوي، ليبلغ 27,507 جيغاواط ساعي، مدفوعاً خصوصاً بارتفاع استهلاك قطاع إنتاج الكهرباء. ورغم هذه الزيادة، بلغت مخزونات الغاز الجوفية الإسبانية 72.5 بالمائة من طاقتها في 9 أغسطس، مقابل متوسط أوروبي قدره 58.8 بالمائة.
وحذرت «كي بي إم جي إسبانيا» في تقرير حديث من أن أوروبا لا تستطيع اعتبار أمن إمدادات الغاز مضموناً خلال الشتاء، في ظل تزامن التقليص التدريجي للواردات الروسية مع التوتر في سوق الغاز الطبيعي المسال وحالة عدم اليقين المرتبطة بالوضع حول مضيق هرمز.
المفارقة المغربية
يتزامن تعزيز موقع الجزائر في السوق الإسبانية مع تطور آخر أكثر إثارة للاهتمام في سوق الغاز الإيبيرية، يتمثل في ارتفاع صادرات الغاز الإسبانية إلى المغرب. ووفق صحيفة «كابيتال مدريد»، ارتفعت صادرات إسبانيا من الغاز إلى المغرب إلى نحو 600 جيغاواط ساعي في يوليو، مقابل 400 جيغاواط ساعي في الشهر نفسه من العام الماضي، أي بزيادة قدرها 50 بالمائة.
وباتت آلية الإمداد معروفة. فمنذ إغلاق الجزائر لأنبوب المغرب العربي-أوروبا سنة 2021، لم يعد المغرب يتلقى الغاز الجزائري مباشرة. وبدلاً من ذلك، يشتري الغاز الطبيعي المسال من الأسواق الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة. ويتم نقله بواسطة ناقلات إلى المحطات الإسبانية، حيث يعاد تحويله إلى حالته الغازية، قبل إرساله إلى المغرب عبر المقطع المعكوس من أنبوب المغرب العربي-أوروبا.
وتسمح هذه الآلية للرباط بمواصلة استخدام البنية التحتية الغازية التي تربط ضفتي المضيق، لكن بتكلفة مرتفعة، إذ تستلزم شراء الغاز الطبيعي المسال مسبقاً من السوق الدولية، ثم نقله وإعادة تحويله في إسبانيا.
وبحسب بيانات «إيناغاز» التي أوردتها «كابيتال مدريد»، بلغت صادرات إسبانيا من الغاز 1,961 جيغاواط ساعي في يوليو، خُصص نحو 30 بالمائة منها للمغرب. وتبرز هنا مفارقة لافتة: فالجزائر أصبحت أول مورد للغاز إلى إسبانيا، في حين أصبحت إسبانيا مورداً أساسياً للغاز إلى المغرب، الذي يعتمد بدوره على البنية التحتية الإسبانية للحصول على جزء من احتياجاته من الغاز.
ومن الجانب الإسباني، لا يزال المبدأ الذي تفرضه الجزائر قائماً رسمياً: لا ينبغي أن يعاد تصدير أي جزيء من الغاز الجزائري إلى المغرب. لكن، كما تشير «كابيتال مدريد»، تصبح عملية تحديد مصدر الغاز الطبيعي المسال أكثر تعقيداً بعد دخوله إلى المنظومة الغازية الإسبانية، التي تستقبل شحنات من دول متعددة.
وتضع هذه المعادلة مدريد أمام وضعية دقيقة. فهي مطالبة من جهة بالحفاظ على شراكتها الطاقوية مع الجزائر، موردها الأول، ومن جهة أخرى بضمان استمرار تدفق الغاز نحو المغرب، الذي يعتمد نظامه الكهربائي جزئياً على الغاز المستورد عبر البنية التحتية الإسبانية.
بالنسبة إلى إسبانيا، تكتسب هذه المعادلة أهمية أكبر بالنظر إلى أن بنيتها التحتية تمنحها موقعاً متميزاً في المشهد الغازي الأوروبي الجديد. وبالنسبة إلى الجزائر، تؤكد هذه التطورات الأهمية المتزايدة للسوق الإسبانية، حيث أصبحت حصتها تتجاوز ثلث واردات البلاد خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. وهكذا، يواصل الغاز الجزائري تعزيز حضوره في إسبانيا، في وقت يبحث فيه السوق الأوروبي عن بدائل للإمدادات الروسية. وتؤدي هذه الديناميكية إلى تعزيز الوزن الطاقوي للجزائر في جنوب أوروبا.
الجزائر تعزز موقعها كأول مورد للغاز إلى إسبانيا
بفضل أنبوب «ميدغاز» وشحنات الغاز الطبيعي المسال بواسطة الناقلات، تعزز الجزائر موقعها كأول مورد للغاز إلى إسبانيا، في وقت يواجه فيه السوق الأوروبي تقليصاً تدريجياً للإمدادات الروسية وتوتراً متزايداً في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال.

Partager cet article
