الجزائر… ملامح اقتصاد حرب غير معلن

6 min de lecture

تراكمت المؤشرات خلال العام الأخير بشكل يصعب تجاهله. فالجزائر تمضي، خطوة بعد أخرى، نحو تشديد غير مسبوق على إدارة الإنفاق بالعملة الصعبة. بدأ الأمر ببرنامج تأطير الواردات في جويلية 2025، ثم بحظر استيراد عدد من السلع الموجهة لإعادة البيع والمصنّعة محلياً، قبل أن تمتد القيود إلى سقف التزامات البنوك في تمويل التجارة الخارجية. وبعد التقليص الأول لشروط الاستفادة من منحة السفر، التي رُفعت بصورة مفاجئة إلى 750 يورو نهاية سنة 2024 ودخلت حيّز التنفيذ منتصف 2025، جاءت هذا الشهر قيود جديدة على استعمال بطاقات الدفع الدولية، لتجعل الوصول إلى العملة الصعبة خاضعاً لرقابة إدارية واجتماعية غير معهودة.

وفي الوقت نفسه، أخذت مظاهر الندرة تتوسع، وأصبحت اضطرابات سلاسل التموين واقعاً متكرراً، حتى بالنسبة إلى بعض مستلزمات التشخيص الطبي. وزادت موجة الحر القياسية، وحرائق الغابات، والانقطاعات الكهربائية، خلال هذا الصيف، من ترسيخ هذا الانطباع. ثم جاء قرار تعليق المهرجانات والحفلات الفنية ــ «احترازياً»… ولكن احترازاً من ماذا؟ ــ ليضفي على المشهد طابع حداد جماعي يختلط فيه التقشف بالشعور بالتعبئة. وهكذا، أخذت ملامح اقتصاد يُدار بمنطق الطوارئ تتشكل تدريجياً، من دون أن يُعلن ذلك رسمياً.


صيف 1992… ذاكرة لا تزال حاضرة


من هذه الزاوية، يستدعي صيف 2026، ولو على المستوى الرمزي، صيف 1992، عندما تولى بلعيد عبد السلام رئاسة الحكومة وأعلن برنامج «اقتصاد الحرب». وكان الهدف المعلن آنذاك حماية البلاد من التوقف عن سداد ديونها وتجنب الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي. واعتمدت تلك السياسة على تجميد إصلاحات السوق، وتشديد الرقابة على العملة الصعبة، وتسريع الشراكات في قطاع النفط والغاز. غير أن التجربة لم تصمد سوى أربعة عشر شهراً، إذ خنقت خدمة الدين الخارجي المالية العمومية، وانتهى الأمر بإعادة جدولة الديون.

ولا يزال الباحثون مختلفين حول الأسباب الحقيقية لذلك الانهيار. فبينما يحمّل البعض إدارة أزمة الديون والاعتماد على القروض القصيرة الأجل المسؤولية، تبدو القراءة الإستراتيجية أكثر إقناعاً عندما تعود إلى قرار التخلي، في بدايات عهد الشاذلي بن جديد، عن “مخطط تثمين المحروقات (VALHYD)”، الذي كان يرمي إلى توسيع القدرات التصديرية للجزائر في مجالي النفط والغاز.

وقد انتقد بلعيد عبد السلام هذا القرار بشدة في مؤلفاته، معتبراً أنه حرم بنك الجزائر، في اللحظة الحاسمة، من موارد إضافية تراوحت بين خمسة وسبعة مليارات دولار سنوياً، وفق أسعار تلك المرحلة. ومع التأخر في بناء قطاع صناعي خاص قادر على المنافسة، تبدو جذور أزمة 1993-1994 مرتبطة بعجز الاقتصاد عن إنتاج الثروة أكثر من ارتباطها بعجزه عن تقليص الواردات.


مقاربة رزيق للثروة


لا مجال للمقارنة، بطبيعة الحال، بين جزائر صيف 1992 التي كانت على حافة الانهيار، وجزائر صيف 2026. فالوضع الاقتصادي اليوم أكثر متانة، ولا يبرر حصر النقاش في هاجس تراجع احتياطي العملة الصعبة.
يتمثل الرهان الحقيقي يتمثل في رفع الناتج الداخلي الخام وتعزيز الصادرات خارج قطاع المحروقات، وهما الهدفان اللذان تؤكد عليهما الإستراتيجية الرسمية. غير أن المقاربة التي ارتبط اسمها بكمال رزيق تبدو وكأنها تختزل معركة التنمية في تقليص فاتورة الواردات. فمن الحمائية الظرفية إلى الحمائية بوصفها ثقافة اقتصادية، ثم إلى ما يشبه «اقتصاد الحرب» غير المعلن، يضيع نصف الصورة الآخر، أي معركة إنتاج الثروة وتعزيز الإيرادات الخارجية.

صحيح أن الجزائر لم ترتكب اليوم خطأ بحجم إلغاء مخطط تثمين المحروقات، لكن علامات الاستفهام ما تزال قائمة بشأن الكيفية التي ستبلغ بها نمواً بنسبة 7 في المائة، وترفع صادراتها خارج المحروقات إلى 15 مليار دولار، بالتوازي مع صادراتها الطاقوية. إن الحضور المتزايد لكمال رزيق في الخطاب الاقتصادي الرسمي قد يوحي بأن معركة التنمية ستُحسم أساساً عبر تقليص الإنفاق بالعملة الصعبة، إلى جانب الاستثمار السيادي في قطاع المناجم. غير أن التجارب الدولية لا تؤيد هذا التصور.


ماذا تفعل الاقتصادات الصاعدة؟


هناك بالفعل دول حققت، منذ انحسار جائحة «كوفيد-19» في سنة 2022، معدلات نمو سنوية تجاوزت 7 في المائة، وهو رقم قد يبدو استثنائياً، لكنه واقع في بلدان مثل فيتنام والفلبين في آسيا، وإثيوبيا وكوت ديفوار في إفريقيا، ومالطا وجورجيا في أوروبا. وتتقاسم هذه الاقتصادات سمة أساسية، فهي جميعاً منفتحة بدرجات متفاوتة على الأسواق العالمية. وهي تدرك أن زيادة صادرات السلع تعني، بصورة شبه آلية، زيادة في واردات المواد الأولية والمكونات الصناعية اللازمة للإنتاج. لذلك، لا ينصبّ اهتمامها على تقليص الواردات في حد ذاته، بل على منع تحولها إلى مصدر اختلال دائم في ميزان المدفوعات.

ولهذا السبب، تحافظ هذه الدول على فائض ميزان مدفوعاتها، أو على الأقل على استقراره، من خلال تنويع مصادر العملة الصعبة، وعدم الاكتفاء بعائدات صادراتها الرئيسية من السلع المصنعة أو المواد الأولية. فهي تراهن على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وجذب مدخرات جالياتها في الخارج، وتطوير صادرات الخدمات، ولا سيما الخدمات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن تنمية قطاع السياحة. وهذه، في جوهرها، فلسفة اقتصادية تناقض تماماً منطق اقتصاد الحرب. فهي تقوم على الثقة في جاذبية الاقتصاد الوطني، وفي قدرته على المنافسة والصمود في اقتصاد عالمي منفتح، لا على الاكتفاء بإدارة الندرة وتقليص الإنفاق بالعملة الصعبة.


وفي أفريل 1994، ظهر المدير العام لصندوق النقد الدولي آنذاك، ميشال كامديسوس، في النشرة الرئيسية للتلفزيون الجزائري، داعياً الجزائريين إلى عدم الخوف من الانفتاح الاقتصادي الذي كان سيرافق إعادة جدولة الديون، رغم ما كان يحمله من تراجع اجتماعي فرضته ظروف تلك المرحلة. أما اليوم، فالجزائر لا تقدم نفسها كبلد يبحث عن الإنقاذ، بل كقوة إقليمية صاعدة. ولذلك، فهي تستطيع ــ منطقياً ــ أن تراهن على الانفتاح من دون أن تدفع الثمن الاجتماعي الذي دفعته في تسعينيات القرن الماضي. فذلك هو الطريق الذي سلكته الاقتصادات الصاعدة، والطريق الأقرب إلى تحقيق نمو قوي ومستدام.

Partager cet article