من الرَبيع العربي إلى الربيع الغَربي : من لهُ حَق التشفّى من الآخر؟

4 min de lecture
السُلطات الفرنسية أعلنت أمس حظر التجوال في عدد من مُدنها.
Ajoutez Maghreb Émergent sur Google pour trouver du contenu similaire

قد يغري مشهد الشوارع الأوروبية اليوم بعضنا بالتشفّي، كما أغرى التشفّي غيرنا حين احترقت مدننا في 2011. لكن السؤال الأجدر، من يملك حقّ الشماتة، ومن يدفع ثمنها؟

في 2011 لم تخرج الشعوب التي تعيش تحت الأنظمة العربية، إلى الشوارع من أجل الخبز وحده. كان ذلك انفجار كرامة. حكّام أمضوا عقوداً في السلطة. فبن علي نحو 23 عاماً، ومبارك قرابة 30، والقذافي 42. وانتخابات محسومة سلفاً، وقوانين طوارئ تخنق الكلمة، وفساد عائلي يبتلع الثروة، وجيل متعلم بلا عمل ولا أفق. ثم جاءت أسعار الغذاء العالمية القياسية لتصبّ الزيت على نار قديمة، وأشعلها بائع متجول أحرق نفسه احتجاجاً على الإهانة. فكان الشعار «خبز، حرية، عدالة اجتماعية». لم تجد الشعوب قناة شرعية تُسمِع منها صوتها، فكان الشارع هو القناة الوحيدة.

ثم جاء ما بعد الربيع. سقطت بعض الرؤوس وبقيت الأنظمة، أو عادت بأقنعة جديدة، واتضح أن الغرب لم يكن يخشى القمع بقدر ما كان يخشى الفوضى على حدوده و في أنابيبه. فحين صار البترول و الغاز الليبي و الجزائري ورقة أوروبا بعد حرب أوكرانيا، ارتفعت الحصص من واردات الاتحاد بنسب مضاعفة. وحين صار المهاجرون هاجس الناخب الأوروبي، فتحت بروكسل خزائنها: 7.4 مليار يورو لمصر، منها 200 مليون يورو لإدارة الهجرة، و105 ملايين يورو لتونس لتشديد الحدود. وقال المنتقدون إن أوروبا اشترت بذلك الصمت عن الانتهاكات. وهكذا بدا ما بعد الربيع العربي، عند كثيرين، فصلاً دفعت شعوبه ثمنه، وقبضت أنظمته مقابله استقراراً لنفسها ومكاسب لحلفائها في الشمال.

وفي 2026 تهتز أوروبا من الجهة الأخرى، من الجيب قبل الصندوق. ففي فرنسا خرج 550,000 شخص على الأقل يوم 17 أكتوبر، وأعلن وزير الداخلية توقيف 1,800 شخص وإصابة أكثر من 500 من رجال الشرطة والإطفاء. وتعهّد ماكرون بمحاسبة من «سعوا إلى إسقاط الجمهورية» بعدما تحوّلت بعض التجمعات إلى نهب وشغب، وتضرر نحو 1,500 متجر.

وفي بلجيكا اشتبكت الشرطة مع متظاهرين في بروكسل وليج، ووصف وزير الداخلية ما جرى بأنه «عنف صرف». وفي البرتغال سار عشرات الآلاف في لشبونة ضد الغلاء وأزمة السكن، بحسب أكبر نقابة في البلاد.

وفي إيطاليا اندلعت مواجهات في ميلانو وتورينو وبولونيا، واحتُجز عشرات الأشخاص في ميلانو. أما ألبانيا فمسارها أكثر سياسية: طلاب يطالبون باستقالة رئيس الوزراء إدي راما بسبب ظروف الجامعات والرسوم، بعد صيف من الاحتجاجات على مشروع سياحي مثير للجدل، فيما يرفض راما الاستقالة ويقول إن البديل خيانة لتفويضه.

والجذر المشترك أن الأجور عجزت عن اللحاق بالأسعار. فـارتفعت أسعار الغذاء في الاتحاد الأوروبي 34% بين أوت 2021 وأوت 2026، وتضاف إلى ذلك الإيجارات وكلفة التعليم وتراجع الخدمات العامة. حين لا يكفي الراتب لتأمين الخبز والسقف والمدرسة، ينكسر عقد الثقة بين الحاكم والمحكوم، في الجنوب كما في الشمال.

لكن هنا يكمن الفارق الذي لا يُشترى بالغاز ولا تُسكته الصفقات: أوروبا ليست تونس 2011. فهناك انتخابات حقيقية، وصحافة تحاسب، وقضاء يمكن الاحتكام إليه، ونقابات تفاوض، وبرلمانات يمكن إسقاط الحكومات من داخلها.

يغضب المواطن الأوروبي فيجد قناة وقانوناً ومحاسبة، أما المواطن ما تحت الأنظمة العربية، فكثيراً ما وجد سجناً وصمتاً ورشوة. المؤسسات لا تمنع الغضب، لكنها تمنع أن يتحول الغضب إلى انهيار دولة. ولا تمثل هذه الموجة حركة أوروبية واحدة، وتتباين مطالبها من بلد إلى آخر. وحرق مباني البلديات ونهب المتاجر يضعف قضية المحتجين ولا يقويها. والربيع العربي نفسه انتهى بنتائج متباينة. فرصة في تونس سرعان ما تراجعت، وانقلاب في مصر، وحروب في ليبيا وسوريا واليمن.

فمن يتشفى في من؟ ليس لأوروبا أن تتشفى فينا وهي تموّل أنظمة تقمع من خرجوا يطالبون بما تملكه هي، وليس لنا أن نتشفى فيها وغضبها محكوم بقانون وصندوق ومساءلة، بينما نحن نفتقد كل ذلك. الدرس القاسي للضفتين أن الغضب وحده لا يبني دولة، وأن الدول التي لا تُصغي إلى جيوب مواطنيها تتعلم الإصغاء متأخرة، بعد أن يتحول الغضب إلى حريق. والفارق أن عندهم مؤسسات تحاول إطفاءه، وعندنا كثيراً ما لا يوجد من يطفئه.

ÉTIQUETTES :
Partager cet article