تواصل طريق الهجرة البحرية بين الجزائر وإسبانيا نشاطها بشكل لافت مع اقتراب نهاية الموسم الصيفي، ولا سيما في اتجاه جزر البليار. فقد تواصلت خلال الأيام الأخيرة عمليات إنقاذ واعتراض قوارب مهاجرين قبالة فورمينتيرا وكابريرا. بحلول 15 أوت، بلغ عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى جزر البليار عن طريق البحر 4433 شخصاً، بزيادة قدرها 2.5 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، وفق إحصائيات وزارة الداخلية الإسبانية.
ويؤكد هذا الرقم أن الطريق لا تزال عند مستويات مرتفعة، حتى وإن كانت وتيرة الزيادة أقل بكثير من تلك المسجلة على السواحل الإسبانية القارية.
وفي التاريخ نفسه، بلغ عدد المهاجرين الذين وصلوا إلى السواحل القارية الإسبانية عن طريق البحر 5152 شخصاً، بزيادة بلغت 31 بالمائة خلال عام واحد. وتكشف المقارنة عن وضع متباين: فالضغط على السواحل القارية يتزايد بوتيرة أسرع بكثير، لكن جزر البليار تظل إحدى الوجهات الرئيسية والمستقرة لطريق الهجرة القادمة من الجزائر.
طريق هجرة راسخة
يشكل قرب جزر البليار من السواحل الجزائرية أحد العوامل التي تجعلها وجهة مفضلة لشبكات تهريب المهاجرين خلال أشهر الصيف، عندما تكون ظروف الملاحة أكثر ملاءمة. وتعد فورمينتيرا وكابريرا من أكثر المناطق تعرضاً لهذه التدفقات. وقد عكست نهاية أوت هذه الديناميكية مرة أخرى. ففي 30 أوت، رُصدت عدة قوارب في محيط فورمينتيرا، فيما تم في 31 أوت إنقاذ 22 مهاجراً على بعد نحو 2.5 ميل بحري جنوب الجزيرة.
وتأتي هذه الوافدات الجديدة في وقت تواجه فيه سلطات جزر البليار ضغطاً متزايداً على قدرات الاستقبال، ولا سيما في ما يتعلق بالقُصّر. وتستقبل الجزر بالفعل أكثر من 900 قاصر مهاجر، ما يزيد الضغط على الهياكل المحلية المكلفة بإيوائهم ورعايتهم.
غير أن الضغط لا يقتصر على الجزر. فعلى البر الإسباني، شهد ساحل منطقة مورسيا، ولا سيما محيط قرطاجنة ومنطقة كالبانكي الطبيعية، سلسلة متقاربة من عمليات إنزال المهاجرين منذ منتصف أوت.
سلسلة من عمليات الإنزال في قرطاجنة
في 19 أوت، أنزل قارب 62 مهاجراً، بينهم 15 قاصراً، في كالا ديل باركو بمنطقة قرطاجنة. وكان معظمهم من الجنسية الجزائرية. ووقعت العملية في وضح النهار، أمام المصطافين الموجودين على الشاطئ. وفي 23 أوت، وصل قارب آخر إلى ساحل كالبانكي وعلى متنه 49 شخصاً، بينهم عدد من القُصّر. وفي 26 أوت، اعترضت السلطات 50 مهاجراً آخر في منطقة كالا دينتوليس. ثم، في 29 أوت، أنزل قارب آخر من نوع «قارب تاكسي» 57 شخصاً في كالا دورادا، داخل منطقة كالبانكي الطبيعية.
وتواصلت السلسلة في 31 أوت، عندما اعترض الحرس المدني الإسباني قارباً سريعاً مزوداً بـ أربعة محركات، بعدما أنزل 59 مهاجراً في كالبانكي. وأوقِف الشخصان اللذان كانا يقودانه. كما اعترضت السلطات، خلال الليلة السابقة، قارباً آخر كان على متنه عشرة مهاجرين. وتعكس هذه العمليات المتتالية حجم الضغط الذي تواجهه السلطات على جزء محدود نسبياً من الساحل المورسي.
ظاهرة «قوارب التاكسي»
وتشترك هذه العمليات في استخدام قوارب سريعة وقوية، توصف أحياناً في إسبانيا بـ «قوارب التاكسي»( pateras-taxis). وتتيح هذه القوارب القيام بالرحلة من الجزائر، وإنزال المهاجرين بسرعة على الساحل، ثم العودة إلى عرض البحر قبل تدخل قوات الأمن. وتأتي هذه الظاهرة في إطار تطور أوسع لشبكات التهريب البحري بين الجزائر وإسبانيا. فقد أعلنت السلطات الإسبانية مؤخراً تفكيك تنظيم إجرامي كبير متخصص في تهريب المهاجرين والمخدرات، كان يستخدم قوارب سريعة لتنفيذ رحلات ذهاب وإياب بين ضفتي المتوسط. ويساعد هذا النمط من تنظيم الرحلات على تفسير تشتت عمليات الإنزال على عدة نقاط من الساحل الإسباني، من جزر البليار إلى مورسيا، مروراً بأليكانتي وألميريا.
قرطاجنة تطالب بمزيد من الوسائل
وبدأت كثافة عمليات الإنزال تترك انعكاسات سياسية محلية أيضاً. ففي 31 أوت، دعت عمدة قرطاجنة، نويلّيا أرويو، مختلف المجموعات السياسية في المجلس البلدي إلى تبني موقف مشترك للمطالبة الحكومة المركزية بمزيد من وسائل مراقبة الساحل واعتراض القوارب. وتطالب البلدية خصوصاً بتعزيز إمكانات الحرس المدني والشرطة الوطنية، فضلاً عن توفير موارد إضافية للتعامل مع المهاجرين بعد وصولهم إلى الساحل.
ومن فورمينتيرا إلى قرطاجنة، تكشف التطورات الأخيرة عن واقع واحد: طريق الهجرة الجزائرية لا تزال نشطة بقوة على عدة نقاط من السواحل الإسبانية. وإذا كانت الزيادة في جزر البليار محدودة، عند حدود 2.5 بالمائة خلال عام واحد حتى 15 أوت، فإن عمليات الإنزال المسجلة في نهاية الشهر تؤكد استمرار تدفق المهاجرين. أما على الساحل القاري، فتبدو الزيادة أكثر وضوحاً، مع ارتفاع بلغ 31 بالمائة خلال عام.
تذكر عمليات الإنزال في قرطاجنة وجزر البليار بأن الضغط الناجم عن الهجرة القادمة من الجزائر يتبع ديناميكية خاصة على السواحل المتوسطية الإسبانية، تبدو أكثر وضوحاً مع نهاية الصيف.


