تحذير للجزائر: أوروبا بصدد تسريع عملية التخلص من الكربون

4 min de lecture

الأثر الاستراتيجي الرئيسي للحرب على إيران ليس ذلك الذي يتبادر إلى الأذهان في الأيام الأولى للصراع. فعلى المدى المتوسط لهذا العقد، يبدو أن الأثر يسير عكس ما كان مُرجّحًا. فقد قررت أوروبا، مساء الخميس في بروكسل، تسريع وتيرة التخلص من التبعية للكربون. وقد نجحت الصدمة الروسية عام 2022، ثم صدمة الخليج عام 2026، في حشد آخر المترددين.

وفي مواجهة شعار ترامب «دريل، بيبي، دريل» (أي: “احفر يا بني، احفر”)، ردّت بروكسل بشعار «كهرب، كهرب». وهكذا أثبتت ضرورات الأمن القومي أنها أكثر إقناعًا من إلحاح الطوارئ المناخية. ومن المرجح أن تتبنى دول آسيوية أخرى، تعتمد على إمدادات الهيدروكربونات، «مسارًا قسريًا» لخفض حصة النفط والغاز في مزيجها الطاقوي. وفي الوقت الراهن، تظل الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، خارج هذا الحراك، في مسألة ترتبط بدورات التناوب السياسي.


ريع عام 2026: مهلة مالية قبل المنعطف الكبير

على المدى القصير، تبدو الجزائر، حسابيًا، واحدة من المستفيدين القلائل من هذا الاشتعال. فمع استقرار سعر برميل «برنت» فوق عتبة 100 دولار، وارتفاع أسعار الغاز في السوق الفورية بنسبة 35%، استعاد ميزان المدفوعات الجزائري أنفاسه. وتشير توقعات عام 2026 إلى إيرادات صادرات تتراوح بين 65 و75 مليار دولار، مما يوفر فائضًا تجاريًا مريحًا قد يصل إلى أكثر من 20 مليار دولار.

غير أن هذا «المخزون المالي» يجب ألا يُخدّر التفكير؛ فهو ثمن عدم الاستقرار، لا نتيجة أداء اقتصادي متين. وإذا مضى الزبائن الأوروبيون للجزائر في مسار تسريع الخروج من الكربون، فإن استدامة هذا الريع ستكون محدودة زمنيًا. ولم يعد تحوّل الجزائر لتصبح مورّدًا رئيسيًا للكهرباء والهيدروجين الأخضر خيارًا «ترفًا» بيئيًا، بل ضرورة بقاء اقتصادي. لذا، ينبغي تحصين جزء من هذه العائدات الاستثنائية لعام 2026 بحكمة، لتمويل تدارك التأخر الكبير في مسار الانتقال الطاقوي في البلاد.

الغاز الصخري مقابل الطاقات المتجددة: حسم جيوسياسي

لقد تغيرت المعطيات بشكل جذري هذا الأسبوع. ففي حين تبدو الأسعار الحالية مبررًا لإطلاق مشاريع مكلفة لاستغلال الغاز الصخري — مع استعداد شركتي «إكسون» و«شيفرون» للتحالف مع «سوناطراك» — فإن الترجيح الاستراتيجي في طريقه إلى الانعكاس.

فما الجدوى من استثمار مليارات الدولارات في قطاع غازي غير تقليدي، ذي عائد مالي أضعف وعمر افتراضي لا يتجاوز ثلاثين عامًا، إذا كان الطلب عليه مرشحًا للتراجع خلال عقد؟ يكمن الخطر في أن نجد أنفسنا أمام «أصول عالقة» في قلب الصحراء.

تميل مصلحة الجزائر اليوم نحو تجسيد 25 جيغاواط من الطاقة الشمسية، والتطوير المكثف للهيدروجين الأخضر. فهذه هي اللغة الوحيدة التي ستتحدث بها أوروبا في أفق 2035. وحتى الشركات الأمريكية الكبرى، رغم ميلها التقليدي نحو الوقود الأحفوري، سيتعين عليها استيعاب هذه الحقيقة إذا أرادت تأمين أسواقها في أوروبا عبر البوابة الجزائرية.


شبح الصدمة المضادة: من 1985 إلى تحوّل 2035

سيؤدي النموذج الطاقوي الأوروبي الجديد إلى تقليص واردات الغاز بشكل كبير بعد عام 2035، لصالح المصادر المحلية والموردين الذين تحولوا أسرع نحو توفير الطاقة الخضراء، وفي مقدمتها الكهرباء. كما أن عودة الاعتبار للطاقة النووية، بصفتها رأس حربة للسيادة الأوروبية، ستلتهم حصة الغاز في مرحلة الانتقال.

وفي لعبة الدومينو هذه، تبرز الصين كـ«أوبك الكهرباء»، عبر سيطرتها على المكونات والمعادن الاستراتيجية. وتمتلك الجزائر ورقة مهمة: أن تتحول إلى حلقة إنتاج لهذه المدخلات (الليثيوم، الأتربة النادرة)، وأن تصبح مُصدّرًا للكهرباء.


التاريخ يعيد نفسه؛ ففي عام 1980، تسببت الحرب العراقية-الإيرانية في صدمة، أعقبتها صدمة مضادة عنيفة عام 1985. وقد عانت الجزائر في عهد الشاذلي من ذلك بشدة، لعدم استباقها تراجع الطلب والأسعار. أما الصدمة المضادة لهذه الحرب الجديدة في الخليج فستكون أكثر خفاءً، لكنها أكثر حسمًا؛ إذ لم تعد تعني انخفاض الأسعار، بل تعني الخروج المتسارع من التبعية. وعلى الجزائر هذه المرة أن تُحسن الاستباق.

Partager cet article
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *